* ومن أظهر سمات أهل الزيغ والضلال، الاحتجاج برخص العلماء، والتنقل من قول لآخر بالتشهي لا بتحري الصواب.
وقد أطال الشاطبي في الموافقات الكلام عن هذه الخصلة، التي هي بريد إلى الزندقة، ونقل عن ابن حزم الإجماع على فسق من تتبع الرخص.
و قال سليمان التيمي"إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله". [الموافقات 5/ 135] .
وذكر الشاطبي أن ذلك يفضي إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها. [الموافقات 5/ 83] .
وذكر من مفاسده أيضا إفضاءه إلى الانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف، إذ يصير بهذا الاعتبار سيالا لا ينضبط، وانخرام قانون السياسة الشرعية بترك الانضباط إلى أمر معروف، وإفضائه إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماعهم.
انظر الموافقات [5/ 102] .
قال الشاطبي"وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية، حتى صار الخلاف في المسائل معدودا في حجج الإباحة .. فيجعل الخلاف حجة في الجواز لمجرد كونها مختلفا فيها، لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ على الشريعة حيث جعل ما ليس بمعتمد معتمدا، وما ليس بحجة حجة".
[الموافقات 5/ 92 _ 93] .
* ومن أعظم أسباب التخبط في الأحكام، الجهل بمقاصد الدين الكلية والعلل الشرعية التي أنيطت بها تلك الأحكام.
فالمحرمات، مثلا، إنما منع تعاطيها لعلل وأسباب، قد تظهر كلها أو بعضها، وقد يعارضها ما هو أرجح منها وأولى.
وفقه المصالح والمفاسد وتعارضها والترجيح بينها، وقاعدة سد الذرائع، لا يفهمها إلا الراسخون في العلم.
*وأما عن تقحم هذا الجاهل وتكلفه في نقد الروايات، فإنه من العجب العجاب، لأنه لا يحسن فهم أبتثيات هذا العلم المتين، ويحشر نفسه في عداد جهابذته والمبرزين فيه، فيضعف ويصحح بجهل فاضح.
وقد غلط كثير من الناس، ومنهم هذا"المتكلف"، حين ظنوا أن نقد الروايات يتأتى لكل باحث في كتب الرجال، وربما اقتصر أكثرهم على المختصرات، كتقريب ابن حجر، فيقرأ عبارة مجملة في الراوي ثم ينقد بها الروايات، ويضعف بها أحاديث الصحاح والسنن المشهورة!!
وهذه بدعة محدثة قد انتشرت في كثير من مؤلفات طلبة العلم وأبحاثهم في هذا الزمان، وقلما يتنبه لها أو يحذر منها.
*إن طريقة أئمة الحديث في تصحيح الروايات و نقدها، مبنية على السبر والانتقاء، فليس كل روايات الثقات مقبولة، ولا كل روايات الضعفاء مردودة.
يقول المعلمي اليماني في مقدمة تحقيقه لكتاب"الجرح والتعديل"
< ليس نقد الرواة بالأمر الهين، فإن الناقد لا بد أن يكون واسع الاطلاع على الأخبار المروية .. خبيرا بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم .. > إلى أن قال < وهذه المرتبة بعيدة المرام عزيزة المنال لم يبلغها إلا الأفذاذ >.
وقد نقل ابن أبي حاتم في مقدمة كتابه"العلل"قول ابن مهدي
< معرفة الحديث إلهام >.
وقوله < إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة >.
وقول أحمد بن صالح < معرفة الحديث بمنزلة معرفة الذهب >.
* ومن الجهل والعبث أن يأتي الباحث إلى أسانيد الصحيحين، مثلا، ثم ينقدها بما حكاه ابن حجر في التقريب، فيجد في الراوي مقالا، فيحكم على الحديث بالضعف، وكأن صاحبي الصحيحين يجهلان أحوال الرواة، عجبي!
ومن أين أخذ ابن حجر وغيره أحوال الرجال إلا من كلام المتقدمين من أئمة الجرح و التعديل، ومنهم أصحاب الصحاح والسنن ونحوهم؟
وليس معنى ذلك أن ابن حجر وغيره قصدوا تضعيف الروايات بذكرهم لذلك الوصف المختصر في الرواة، وإنما هو"تهذيب"، و"تقريب"، و"اختصار"لما قيل فيهم فقط.
و المقصود أن المعول عليهم في نقد الروايات والتصحيح والتضعيف هم أولئك الأئمة، و لا يصلح أن يقحم الجهال أنفسهم في هذا الأمر.
والكلام في تفصيل ذلك وشرحه يحتاج إلى مجلدات.
* فقد تبين إذا، أن خلافنا مع أولئك المتعالمين من أمثال هذا المتعالم، ليس في فروع العلم وحدها، بل في أصوله، و لهذا أغلظت في العبارة في هذا الرد، لأن صنيع هؤلاء من أعظم الفتن والإفساد في الأرض.
"الخاتمة"
لم يكن هذا"المتكلف"بدعا ممن سبقه من دعاة الفتنة والضلالة، ولن يكون آخرهم، ولن يقف عند هذا الحد من الإفساد، والله أعلم.
فإن أمثال هؤلاء لا ينفكون عن إحداث البدع في الأمة، إذ كل همهم إثارة البلبلة والتلبيس على العامة، لا النصح لهم في دينهم و دنياهم.
* هذا وأسأل الله العظيم أن يهدينا جميعا لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، وأن يجنبنا الفتن، ما ظهر منها وما بطن ... والحمد لله أولا وآخرا.
وكتب: سمير المالكي
ـ [عبد الرحمن السديس] ــــــــ [22 - 05 - 10, 05:52 م] ـ
جزاكم الله خيرا وشكر لكم
وغفر الله لك من ساهم في مواجهة هذا الشذوذ، وليت كل طلبة العلم يبذولون في رد الباطل على دعاته ولو بالقليل فقد ولى زمان السكوت.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)