وهذا المتطفل لا حظ له من العلم بتلك الأصول وإدراكها إلا الثرثرة، ولا قدرة له على الجدال فيها إلا بالمكابرة.
ولهذا تراه منفلت الزمام، يتلون عند كل مسألة بلون، و يثبت هنا ما ينفيه هناك، وينقض هنا ما يبنيه هناك، في سلسلة لا تنتهي من الجهالات، والضلالات والتناقضات.
* زعم أن له قدرة على استنباط الأحكام من نصوص الكتاب و السنة، دون الحاجة إلى النظر في فقه من سبق من أهل العلم.
كان هذا شأنه في مقالات الاختلاط، وقد اعترض على كل ما ذكره أئمة الفقه والتفسير و شراح الأحاديث، من توجيه لتلك النصوص التي أوردها وشبه بها.
وصرح بأن كلامهم لا حجة فيه، وأنه مجرد تحكم لا دليل عليه!
* مثال ذلك:
قصة دخول النبي صلى الله عليه وسلم على أم حرام، فقد اتفقت كلمة الأئمة و شراح الحديث على أن تلك كانت حادثة عين لا يصلح أن تعمم في الحكم، واختلفوا في توجيه القصة، فالأكثرون قالوا بأن هناك محرمية بينهما، وبعضهم ذهب إلى أن ذلك من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم.
وإنما قال الأئمة ذلك لما تقرر عندهم من قواعد كلية في حكم مخالطة الأجنبية، والخلوة بها، والنوم عندها، وملامستها، ونحو ذلك.
وأعرض"الجهول"عن ذلك التوجيه، ولم يرفع به رأسا، ووصف قائليه بالتعنت والتحكم، ومنهم الأئمة الحفاظ: ابن عبدالبر، والنووي، وابن حجر العسقلاني، شراح الموطأ
والصحيحين.
* وقد أجاب الأئمة على بعض الحوادث الأخرى، بأنها كانت قبل الحجاب، فاعترض"المتعالم"على ذلك، بأن الحجاب خاص بأمهات المؤمنين!
ومقتضى كلامه أنه لا يوجد حجاب عام فرض على المؤمنات، وإنما الحجاب كله خاص بأمهات المؤمنين.
ومعلوم _ قطعا _ أن الحجاب منه ما هو مفروض على سائر المؤمنات باتفاق الأمة، كآية النور {وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن .. } الآية.
قالت عائشة رضي الله عنها"يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} شققن مروطهن فاختمرن بها".
رواه البخاري [4758] .
فدل الحديث على اختلاف حال النساء
بعد نزول الآية، عن حالهن قبلها.
قال الحافظ ("فاختمرن"أي: غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها، وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنع) .انظر الفتح [8/ 490] . * وكذلك آية الأحزاب {يدنين عليهن من جلابيبهن} ، هي عامة في النساء المؤمنات بالنص والإجماع.
قال ابن رجب"وقد فسر عبيدة السلماني قول الله عز و جل {يدنين عليهن من جلابيبهن} ، بأنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، وهذا كان بعد نزول الحجاب، وقد كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب، ويرى من المرأة وجهها و كفاها .. ثم أمرت بستر وجهها وكفيها .."انتهى باختصار، من فتح الباري لابن رجب [2/ 346] .
قال سمير: و المقصود أن قول شراح الأحاديث عن حكم منسوخ بالحجاب يقصد به أحيانا الحجاب العام في كل النساء.
* وأما آية الحجاب الثالثة، وهي قوله تعالى {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} ، فهذا حجاب آخر، وهو الذي اختلف في كونه خاصا بأمهات المؤمنين، أو عاما لكل المؤمنات.
فعلى فرض أن الحجاب في هذه الآية الأخيرة كان خاصا، فإن هناك حجابا عاما مشتركا في الحكم، قد نسخ ما كان قبله من أحكام، في اللباس و الصلاة، وفي المخالطة مع الرجال أيضا.
* وفي حكم"مصافحة النساء"، لم يأت بحديث واحد يبيح المصافحة، وقد خطأ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وكذب روايتها الصحيحة الصريحة في نفي مصافحة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء، دون أي مستند، سوى الهوى والرأي المجرد!
* لكنه في مسألة صلاة الجماعة نحى منحى آخر، و عكس القضية رأسا على عقب، وأكثر من النقول من كتب المذاهب، و طعن في دلالة النصوص الصريحة على فرضية صلاة الجماعة، و طعن في صحة بعض الأحاديث، مع ورودها في أحد الصحيحين، مخالفا بذلك إجماع الأمة على قبول أحاديثهما!
فكان في مسألة"الاختلاط"،"ظاهريا"صرفا، يقف عند ظاهر النصوص دون تقييد، ويرفض كل متابعة أو تقليد.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)