فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 60073 من 67893

وكما قطع الله تعالى هذا التمييز في العطية فكذا قطع أمرًا آخر وهو الوصية لأحدٍ منهم، فحرَّم أن يوصى لوارث، وكل تلك الأحكام إنما هي لإصلاح حال الأسَر وإرساء قواعد اجتماع أفرادها وعدم تفرقهم.

7.وعلى الأب أن يعلم أنه ليس أحد من أولاده كاملًا، ومن كان مميزًا من أولاده عنده فلو أنصف مع نفسه لوجد له صفات أخرى سلبية، والعكس يقال فيمن لم يميزهم فقد يكون عند كثير منهم صفات إيجابية كثيرة، فالطفل المحبوب بحركاته وكلماته قد لا يفيد الأسرة في شراء أغراض من البقالة، وقد لا يكون كفؤًا في القيام على الضيوف بخدمتهم، فعلى الآباء مراعاة ذلك، وتنمية ما عند أولادهم من صفات حسنة، وتشجيعهم عليها، وعدم الطلب من الآخرين أن يكونوا سواء، فكلٌّ ميسَّر لما خُلق له، فقد يكون بعضهم عنده حب العمل، وآخر حب العلم، وثالث حب التجارة، كما قد توجد في بعضهم من الطباع ما ليس في الآخر، فيستثمر ذلك الأب العاقل فيجعل بعضهم مكمِّلًا للآخر، فإذا أثنى على الصفات الإيجابية في أحد من أولاده أثنى على صفات الآخرين، فلا يحصل بينهم من الحسد والعداوة شيء بإذن الله تعالى وتوفيقه.

8.وفي هذا الباب فليحذر الوالدان من تقريع المخطئ من أولادهم والطلب منه أن يكون كأخيه فلان! بل يُذكر له من في سنه من الأقارب أو الجيران، أو يحثّ على خصال الخير ويُردع عن صفات الشر دون أن يُذكر له شخص بعينه، وإن من شأن المقارنة بينه وبين أخيه الأفضل منه في هذا الجانب أن يولِّد بينهما عداوة وبغضاء.

9.وليس من العدل أن يجعل الأبُ العاقَّ من أولاده بدرجة البارّ، وإلا لم يكن للبرِّ ميزة، فعليه أن يُعلم أولاده أن من أحسن - كإعانة أمه في البيت، أو حفظه للقرآن - فله الحسنى، ومن أساء فيُحرم منها أو يُعاقب - بحسب ما يقترفه الأولاد من معاصٍ -، ولا نعني هنا - بالطبع - أن يهبه هبة أو يعطيه عطية، فقد سبق بيان تحريم ذلك، وإنما نعني به أن يثني عليه بالكلام الحسن، وأن يزيد في مصروفه، أو أن يمكنه من اللعب بلعبة مباحة لوقت أطول ممن أساء، وهكذا، وهذا هو العدل الذي ننشده من الآباء، وليس أن يعاملوا الجميع معاملة واحدة، المحسن منهم والمسيء، وإلا كان ظالمًا للبارّ منهم.

فللأب أن يمنع العاصي المتمرد من أولاده من المال الذي يفعل به المعاصي، بل يجب على الأب ذلك حتى يكف ولده عن فعل ما يسخط ربه تعالى.

قال الشيخ عبد الله الجبرين - رحمه الله:

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لاَ أَشْهَد عَلَى جَوْر) ، بمعنى أنه إذا مال مع أحدهم: فإنه يسمَّى جائرًا، ولكن يمكن أن يجوز ذلك إذا كان هذا الذي مال معه صالحًا، والآخر فاسدًا وماجنًا، فإذا حاول إصلاح هذا وعجز عنه بأن صار عاقًّا وعاصيًا لأبويه، وعاصيًا لله، ومعرضًا عن الله، ومعرضًا عن العبادة، ومنهمكًا في شرب المسكرات، أو في المنكرات أو في المعاصي، ولم يستطع أبواه إصلاحه: فلا مانع، بل يجوز لهم - والحال هذه - التساهل، وعدم مساواته بغيره، بل عليهم أن يشددوا في الأمر معه، ولو أن يحرموه من تربيتهم له أو نفقتهم عليه، ولو أن يعاقبوه بما يكون سببًا في استقامته إذا وفق الله.

"دروس الشيخ ابن جبرين" (1/ 23) - الشاملة -.

10.ومما ننصح به الآباء أن يوحدوا مشاعر أولادهم تجاه من يستحق الحنان والعطف من إخوانهم، فمثلًا: قد يوجد أحد الأولاد مصابًا بإعاقة، فلا ينبغي للوالدين أن يغفلا أهمية أن يكون الحنان والعطف من أولادهم تجاه أخيهم قبل أن يكون منهما، وهما بذلك يضمنان إعطاء ذلك المصاب حقه من المشاعر، ويضمنان عدم وقوع العداوة بينهم وبين أخيهم.

11.ومهما اختلفت صفات وطبائع الأولاد فإن العدل بينهم في الأمور الظاهرة واجب شرعي، فإن دفع تكاليف زواج أحدهم فليفعل ذلك مع كل من أراد التزوج، وإذا عالَج أحدهم لمرض ألمَّ به فليفعل الأمر نفسه مع من احتاج لعلاج، وإن ساهم في تعليم لأحدهم فعليه فعل الأمر نفسه مع الباقين - ضمن دائرة التعليم المباح -، وهكذا يقال في النفقة والكسوة، فعليه أن يعدل بين أولاده فيهما - ولا نقول يسوِّي؛ بل يعدل، ونعني به: أن يُعطي كل واحد كفايته - بل قد ذهب طائفة من السلف إلى أنه يستحب العدل بين الأولاد في"التقبيل"!

قال الإمام البغوي - رحمه الله - في شرح حديث النعمان السابق:

وفي هذا الحديث فوائد، منها: استحباب التسوية بين الأولاد في النِّحَل، وفي غيرها من أنواع البرِّ حتى في القُبَل، ذكورًا كانوا أو إناثًا، حتى لا يعرِض في قلب المفضول ما يمنعه من برِّه.

"شرح السنة" (8/ 297) .

وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يستحبون أن يعدل الرجل بين ولده حتى في القُبَل.

"مصنف ابن أبي شيبة" (11/ 221) .

وهكذا لا يكون منه تفضيل لأحدٍ على أحد، ولا يعني هذا توحيد مشاعره تجاه الجميع؛ فهذا أمرٌ لا يملكه الأب، لكنه يملك أمر العدل في الأمور الظاهرة، كما هو الحال فيمن له أكثر من زوجة، فإنه لا يُمنع من حب إحدى نسائه أكثر من الأخريات، وفي الوقت نفسه هو مأمور بالعدل الذي يقدر عليه، وهو العدل في الأمور الظاهرة كالنفقة والمبيت والكسوة.

ونسأل الله أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يعينك على تحقيق العدل بين أولادك.

والله أعلم

الإسلام سؤال وجواب

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت