كما أن قرصنة الإنجليز في بحار العرب سابقة لظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب حيث ظهرت في البحر الأحمر سنة (1966م) خمس سفن بريطانية وسفينتان أخريان على كل واحدة أربعة عشر مدفعا، ومن البحارة مائة وخمسون، وأخذت تنهب السفن في البحر الأحمر والبحر العربي والخليج العربي [31] ولم تحرك بريطانيا ساكنا.
فهذه القرصنة التي تفتك بسفن الحجاج وغيرهم مسكوت عنها، ودفاع صاحب الأرض ضد المستعمر قرصنة يجب إنهاؤها!.
إن الحقيقة التي لا يجادل فيها هي: أن مرور السفن البريطانية سواء شركة الهند البريطانية، أو غيرها في الخليج إنما كان لأعمال استعمارية خالصة، وهم لا يتناهون عن الاستيلاء ليس على السفن فحسب بل حتى على الأراضي إذا ما وجدوا فيها ضالتهم الاستعمارية رغم أنف أهلها كما هو معلوم بالضرورة عن الإنجليز، فقد استعمروا آنذاك دولا وأراضي لا حصر لها، كما أن مرورهم في الخليج إنما كان لعبور السفن بين مستعمراتهم العربية في العراق ومستعمراتهم الهندية، التي تديرها شركة الهند الشرقية.
ولقد"تحولت سياسة شركة الهند الشرقية إلى امتلاك الأراضي وفرض السيادة الإنجليزية عليها من أواخر القرن السابع عشر. . . واستطاع الإنجليز في مدة قصيرة بين سنة 1750، وسنة 1818 فرض سيادتهم على أغلب أراضي الهند". [32]
وهل يتوقع الإنجليز أن تبحر سفنهم بأمان وهم بهذه المثابة، بالإضافة إلى تدخلهم في شئون بلاد الخليج حيث كانوا يحرضون حليفهم سلطان عمان على مهاجمة حلفاء الدولة السعودية، فلما لم يستطع على ذلك، بل أصبح حليفا للسعوديين يدفع الزكاة لهم [33] ، حاصرت بريطانيا جزيرة كشم التابعة للقواسم سنة 1805 م، منتحلة أو هي الأسباب، وأجبرتهم على اتفاقية مجحفة سنة 1806 م، ثم هاجموا رأس الخيمة في السنة نفسها. [34]
كما أبرموا معاهدة استعمارية أملوها على أمير رأس الخيمة بعد ضعفه حين هزيمة مناصريه السعوديين، الذين كانوا الساعد الأيمن له، وكانت تلك المعاهدة سنة 1820 م بعد سقوط الدرعية بعامين، ومن بنودها:"بقاء رأس الخيمة وما حولها من مزارع في أيدي الحكومة البريطانية". [35]
قال بوندار ليفسكي المؤرخ الروسي:"في سنة 1805 م لما تولى الأمير بدر حاكم مسقط سعى إلى إقامة علاقات طبيعية مع آل سعود وبمساندة إمام عمان، وكان ذلك يتهدد خطط شركة الهند الشرقية في الجنوب الشرقي من الجزيرة، فاغتيل الأمير بدر في سنة 1807 م بأمر من مقيم الشركة، وصار سعيد بن سلطان صنيعة البريطانيين، ومن ثم أصبح عدو الوهابيين اللدود، ثم نشب صراع مسلح أسهم في فرض الحماية البريطانية على مسقط وساحل الصلح البحري الذي سماه المستعمرون بصفاقة ووقاحة: [ساحل القرصنة] ". [36]
-إن السبب في الخصومة بين السعوديين والقواسم من جهة، والإنجليز وخاصة حاكم بومباي من قبل الإنجليز من جهة أخرى يتلخص ببساطة بـ: اصطدام مصالح الإنجليز الاستعمارية التوسعية في الشرق بالقوة السعودية الناشئة المصممة على خضوع أراضي الجزيرة للدعوة الإصلاحية، والتي من أسسها عدم خضوع الأراضي الإسلامية للكفار.
وكان لشركة الهند تجارة واسعة في عمان، بل هي مركزها في المنطقة بعد البصرة، وكان الإنجليز يمارسون نفوذهم عليها.
إن الدعوة الوهابية ترى في الإنجليز عدوا للإسلام ومستعمرا يجب محاربته، وحين احتل القواسم بعض مدن عمان سنة 1808 م وأرسل سلطان عمان رُسُلَهُ للدرعية للتوسط طلب منهم الإمام عبد العزيز أن يوجه حاكمهم سفنه لضرب البصرة، وأن عليه أن يثبت ولاءه للقضية الإسلامية، فيعد حملة ضد شركة الهند المتعاونة مع باشا بغداد. [37]
"وفي هجمات القواسم على الإنجليز في إحدى المرات وجدوا في إحدى السفن امرأة هي زوجة تيلر القنصل الإنجليزي في بغداد، فلم يمسوها بأذى بل أعادوها إلى بو شهر طبقا للتقاليد العربية" [38]
، فليس هذا من عمل القراصنة، وهو ليس تقليدا عربيا فحسب، بل هو ما يحث عليه الإسلام من عدم التعرض لغير المحاربين.
إن تحرير الأرض الإسلامية من المعتدين هو من الجهاد في سبيل الله وهو حق مشروع، بل هو واجب، وإذا لم يمكن ذلك فلا أقل من معاداة المعتدين، وعدم توليهم، ومضايقتهم، والتصدي لهم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)