ـ [عبدالله المعيدي] ــــــــ [07 - 01 - 08, 06:35 م] ـ
هذه القصة كنت قيدها يومًا .. وأثناء مراجعتي لبعض الفوائد وجدتها ولكن لا أعلم مصدرها - مع مراجعتي لترجمة ابراهيم في السير - فأردت ايرادها هنا للفائدة ..
جَلَسَ إبْراهيمُ الحربيّ في مَسْجدِه كعَادتهِ يُحدّثُ النّاسَ، ويُلقي عليْهم دروسًا في الفقْهِ واللغة، وقد اجْتمعُوا حَوْلَهُ منصتين، وجاءوه من كل حدب وصوبٍ؛ ليَنْهَلُوا منْ علمه، ويلتقطوا دُررَه، وينتقوا أطايب حديثه ..
ثلاثونَ ألفَ محبَرة اجتَمعَتْ في مجْلسِه ..
تهللَ وجههُ بنورِ العِلْم، فقالَ لجُلسائِه: .. لا أعْلمُ عِصَابةً خيرًا من أصحاب الحديث .. إنّما يغْدو أحدُهُم، معهُ محبرة، فيقول: كيفَ فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكيف صليّ، إياكُم أنْ تجلسُوا إلى أهْل البدَع، فإنّ الرجُلَ إذَا أقبلَ ببدعة ليسَ يُفلح.
سألهُ أحدُهم فقال: يا أبا إسحاق، حدّثنا مِمّا تعرفُهُ في باب الاسمِ والمُسمّى!
أطْرقَ إبْراهيمُ قليلًا، ثمّ رفعَ رأسهُ وقال: ليَ مُنذ جالستُ أهْلَ العِلْم سبعُونَ سنةً، ما سمعتُ أحدًا منهُم تكلّم في الاسم والمُسمى ... فرأيتُ الكلامَ فيه بدْعة ..
وأبى أنْ يتكلّمَ في أمرٍ لمْ يتكلم فيه العلماءُ قبلهُ، خوفًا من الابتداع، والخوض فيما ليسَ فيه فائدة ..
قامَ النّاس من مجلسِه، ونهضَ إبراهيمُ وهوَ يحملُ بعْض كُتبه .. فبرزَ رجلٌ منْ بينِ النّاس، وتقدّم نحوهُ ..
أشارَ إلى كتبهِ، وقالَ له: قل لي يا إبْراهيم .. كيفَ قويتَ على جمْع كلّ هذه الكُتب؟
ظهرَ على إبراهيمُ الغضبَ، وتغير لونُه، وقال: قويتُ عليْها بلحمي ودمي ... بلحْمي ودمي!!
اعتذَرَ الرجلُ لهُ، ومضى لحالِ سبيله ..
فجعلَ إبراهيمُ يردد قول الشاعر:
لي همّة في العلمِ ما إن مثلها
وهي التي جنت النحول هي التي
مضى إبراهيمُ نحوَ منزله مُنهكًا، فتلقته زوجتهُ بالعتاب؛ لقلة الطعام والشراب في المنزل ...
تألمَ إبْراهيمُ لذلَك، وقال لها: اصبري يا أم إسحاق .. فقد أفنيتُ منْ عمري ثلاثين سنةً برغيفين، إن جاءتني بهما أمّي أو أختي، وإلا بقيتُ جائعًا إلى الليلة الثانية، وأفنيتُ ثلاثين سنة برغيف في اليوم والليلة، إنْ جاءتني امرأتي أو بناتي به، وإلا بقيتُ جائعًا عطشان، والآن آكلُ نصفَ رغيف، وأربع عشرة تمرة ...
تململت زوجتهُ وهي تشعر بالضيق ..
-ولكن لا يُوجد لدينا أي طعام وشراب اليوم .. يا أبا إسحاق .. لو كانَ الأمرُ متعلقًا بي وبك لصبرتُ وما عاتبتُك .. ولكن انظر إلى الصبية الصغار .. إنّهم يتضورون جوعًا!!
أطرقَ قليلًا، ثمَ نظرَ إليها وقال: لا عليْك .. سيأتي الله بالفرج عما قريب .. ولكن اصبري ..
فكّرت قليلًا ثُم قالت له: هات شيئًا من كتبك نبيعه، أونرهنه ..
انتفض كمن لسعته أفعى ..
-ماذا .. كتبي؟ .. ويحك يا أم إسحاق .. أما سمعت قول القائل:"العالم يبيع ثيابه، ولا يبيع كتابه"، أو قول الآخر:"مجدُ التاجر في كيسه، ومجدُ العالم في كراريسه".. لا يُمكن أن أبيعَ كتبي وقد أفنيتُ حياتي لأجمعها ..
سمعت امرأته ذلك، فأوت إلى رُكن في البيت تبكي أسيً على حال صغارها الجائعين ..
نظرَ إليها فرقّ لحالها ..
جعل يهدئ من روعها، ويقول: لا تهتمي يا عزيزتي .. غدًا أقترضُ لكم إن شاء الله ..
مسحت دموعها عن عينيها، ونهضت، ثُم توجهت إلى غرفة صغارها لتعللهم، وتلهيهم عن طلب الطعام والشراب ..
وما أن خيّم الليلُ حتى سمع إبراهيمُ طرقًا على باب بيته ..
أسرعَ لينظر من الطارق؟
اقترب من الباب وقال: من بالباب؟
وسرعان ما جاءه الردّ ..
-رجلٌ من الجيران ..
فتح إبراهيم باب منزله، وقال: ادخل أيّها الجار ..
قال الطارق: أطفئ السراج حتى أدخل ..
تعجب إبراهيم من ذلك، ولم يجد بدًا من إطفاء السراج ..
دخل الرّجلُ وهو يحملُ شيئًا، فطرحه على الأرض ثُم سلم ومضى ..
دعا إبراهيم زوجته .. وقال لها: انظري .. انظري فقد جاء الفرج ..
كشف الغطاء فإذا بأنواع من الطعام والشراب، وبدرة فيها خمسمائة درهم ..
تهلل وجه امرأته، وجعلت تحمد الله تعالى على هذا الرزق الوفير، ونادت على صغارها الجائعين، ثُم جلسوا جميعًا يأكلون ويشربون، ويحمدون الله تعالى الذي يرزق من يشاء بغير حساب ..
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)