قال الماوردي: (واعلم أن من الأسرار ما لا يستغنى فيه عن مطالعة صديق مساهم، واستشارة ناصح مسالم. فليختر العاقل لسره أمينا إن لم يجد إلى كتمه سبيلا، وليتحر في اختيار من يأتمنه عليه ويستودعه إياه. فليس كل من كان على الأموال أمينا كان على الأسرار مؤتمنا. والعفة عن الأموال أيسر من العفة عن إذاعة الأسرار؛ لأن الإنسان قد يذيع سر نفسه ببادرة لسانه، وسقط كلامه، ويشح باليسير من ماله، حفظا له وضنا به، ولا يرى ما أذاع من سره كبيرا في جنب ما حفظه من يسير ماله مع عظم الضرر الداخل عليه. فمن أجل ذلك كان أمناء الأسرار أشد تعذرًا وأقل وجودًا من أمناء الأموال. وكان حفظ المال أيسر من كتم الأسرار؛ لأن إحراز الأموال منيعة وإحراز الأسرار بارزة يذيعها لسان ناطق، ويشيعها كلام سابق) [1] .
الحالات التي يجوز فيها إفشاء السر:
لا يجوز إفشاء السر الواجب كتمانه إلا في أحوال محدودة منها:
1 -انقضاء حالة كتمان السر.
2 -موت صاحب السر - بشرط أن لا يعود عليه بالضرر-.
3 -أن يؤدي الكتمان إلى ضرر أبلغ من ضرر الإفشاء.
4 -دفع الخطر [2] .
أكثر من يذيع السر:
قال الجاحظ:(وأكثر ما يذيع أسرار الناس أهلوهم وعبيدهم، وحاشيتهم وصبيانهم، ومن لهم عليهم اليد والسلطان. فالسرّ الذي يودعه خليفة في عامل له يلحقه زينه وشينه، أحرى ألّا يكتمه. وهذا سبيل كل سرّ يستودعه الجلّة والعظماء، ومن لا تبلغه العقوبة ولا تلحقه اللائمة.
وقال سليمان بن داود في حكمته: ليكن أصدقاؤك كثيرًا، وصاحب سرّك واحدا من ألف) [3] .
أكثر الأمور عرضة لإفشاء السر:
وإفشاء السرّ إنما يوكّل بالخبر الرائع، والخطب الجليل، والدفين المغمور، والأشنع الأبلق، مثل سرّ الأديان لغلبة الهوى عليها، وتضاغن أهلها بالاختلاف والتضادّ، والولاية والعداوة. ومثل سرّ الملوك في كيد أعدائهم ومكنون شهواتهم ومستور تدبيراتهم، ثم من يليهم من العظماء والجلّة، لنفاسة الملوك على العوامّ، وأنّهم سماء مظلّة عليهم، أعينهم إليها سامية، وقلوبهم بها معلّقة، ورغباتهم ورهباتهم إليها مصروفة. ثم عداوات الإخوان، فإنّما صارت العداوة بعد المودّة أشدّ لاطّلاع الصديق على سرّ صديقه، وإحصائه معايبه، وربّما كان في حال الصّداقة يجمع عليه السّقطات ويحصي العيوب، ويحتفظ بالرّقاع، إرصادًا ليوم النّبوة، وإعدادًا لحال الصريمة [4] .
وصية في عدم إفشاء السر:
وصية أمامة بنت الحارث ابنتها أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني لما حان زفافها بعمرو بن حجر ملك كندة، وفيها: (فلا تعصين له أمرًا، ولا تفشين له سرًا، فإنك إن خالفت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره) [5] .
(1) (( أدب الدنيا والدين ) )للماوردي (ص307 - 308) .
(2) (( الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية ) )لمجموعة باحثين (ص99 - 101) بتصرف.
(3) (( الرسائل الأدبية ) )للجاحظ (ص95 - 96) .
(4) (( الرسائل الأدبية ) )للجاحظ (ص100) .
(5) (( فقه السنة ) )لسيد سابق (2/ 234) .