فهرس الكتاب

الصفحة 956 من 1664

عاهدتم من المشركين"فلما لم يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدة أكثر من مدة الحديبية لم يجز أن يهادن إلا على النظر للمسلمين, ولا تجاوز ( قال ) وليس للإمام أن يهادن القوم من المشركين على النظر إلى غير مدة, هدنةً مطلقةً , فإن الهدنة المطلقة على الأبد, وهي لا تجوز لما وصفت, ولكن يهادنهم على أن الخيار إليه حتى إن شاء أن ينبذ إليهم, فإن رأى نظرا للمسلمين أن ينبذ فعل", وقال الماوردي في بيان أن أقصى مدة للهدنة عشر سنوات:"فإن هادنهم أكثر منها بطلت المهادنة فيما زاد عليها"وقال ابن قدامة:"الهدنة , فإنها لا تجوز إلا مقيدة ; لأن في جوازها مطلقا تركا للجهاد"وقال:"ولا يجوز عقد الهدنة إلا على مدة مقدرة معلومة ; لما ذكرناه . قال القاضي: وظاهر كلام أحمد , أنها لا تجوز أكثر من عشر سنين . وهو اختيار أبي بكر , ومذهب الشافعي ; لأن قوله تعالى:"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم". عام خص منه مدة العشر لمصالحة النبي صلى الله عليه وسلم قريشا يوم الحديبية عشرا, ففيما زاد يبقى على مقتضى العموم"، وليس المقصود هنا مناقشة كم المدة الجائزة أو أقصى مدى لها إذ القصد بيان أن الصلح المؤبد لا يصلح لأنه أولا: يفضي إلى إبطال الجهاد وهذا فيه تغيير للشريعة، وثانيا:فإن الكفار لا يحافظون عليه بل سينقضونه لأنهم ليسوا من"الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون"بل ينبغي توقيته بوقت زمني، حتى لا يتعطل الجهاد الذي مضمونه رحمة الله بالعباد في تيسير سبل الهداية لهم كما قال الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، ومن شروط الهدنة الصحيحة عدم جواز إقرار الكافر على ما غلب عليه من دار الإسلام بحيث يُعترف له بأحقيته في تملك تلك الأرض وفي حكمها بما يخالف حكم الله وشرعه، وإقامة العلاقات المتنوعة معه، وهذا مما لاشك في مخالفته لدين المسلمين فإن أهل العلم من جميع المذاهب قد اتفقت كلمتهم على أن الكفار إذا نزلوا بدار المسلمين فقد وجب جهادهم وتعين على أهل هذه البقعة فإذا لم تكن لديهم القدرة على صدهم وإخراجهم من دار الإسلام فإن الوجوب يظل يشمل قطاعات من البلدان المجاورة حتى تتحقق بهم الكفاية في دفع الكفار، ولو لم تتيسر الكفاية إلا بقيام المسلمين جميعهم بذلك لتعين الجهاد على الأمة بأسرها، قال البابرتي:"إن هجم العدو على بلد وجب على جميع الناس الدفع تخرج المرأة بغير إذن زوجها والعبد بغير إذن المولى لأنه صار فرض عين"وقال ابن قدامة:"ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع ..الثاني: إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم"وقال ابن تيمية:"وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة , وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم , ونصوص أحمد صريحة بهذا وهو خير مما في المختصرات . لكن هل يجب على جميع أهل المكان النفير إذا نفر إليه الكفاية كلام أحمد فيه مختلف، وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يَسْلَمُوا، ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب لا يجوز الانصراف فيه بحال، ووقعة أحد من هذا الباب والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد (برأي) أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا دون (أهل) الدين الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم ولا (برأي) أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا والرباط أفضل من المقام بمكة إجماعا"فإذا كانت النفوس تبذل في سبيل دفع الكفار عن أرض الإسلام وعن حريمهم وعن عيالهم، فلا يمكن أن يُقبل شرعا صلح على شرط التنازل عن بعض أو جزء من دار الإسلام وتسليمها للكفار والتسليم لهم بحكمها، في مقابل حصول المسلمين على جزء آخر منها ، وعلى ذلك فلا يصح مقايضة أرض الإسلام بشيء, فدار الإسلام ليست ملكا لأحدنا حتى يمكنه التنازل عنها وإنما هي لله سبحانه وهو يحكم فيها بما شاء، وقد قضى سبحانه أن الأرض للمسلمين كما قال:"ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون"والصالحون هم المسلمون، فإذا كانت المصالحة أو المعاهدة ليست على النظر لصالح المسلمين (على النحو الذي تقدم ذكره) أو كان الصلح مؤبدا ( ما يعني تعطيل الجهاد) أو كان بقبول التنازل عن جزء من دار الإسلام لصالح الكفار والاعتراف بسلطانهم الدائم عليها وإقامة العلاقات الدائمة معهم ( ما يعني الإقرار والقبول بأن تتحول بقعة من دار الإسلام إلى دار كفر) فإن ذلك الصلح ليس بصلح مشروع بل هو تضييع وتفريط، وهذا هو التطبيع المعروض الآن على المسلمين من اليهود الذين اغتصبوا أرض فلسطين واحتلوها أكثر من نصف قرن من الزمان: أن يسالمهم المسلمون ويقروهم على ما اغتصبوه من أرض المسلمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت