شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ بِأَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم" خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ *"لَا يَتَنَاوَلُ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقَ عِبَادِهِ لِأَنَّهَا فِي الذِّمَّةِ لَيْسَتْ ذَنْبًا وَإِنَّمَا الذَّنْبُ الْمَطْلُ فِيهَا , فَاَلَّذِي يَسْقُطُ إثْمُ مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى . ا هـ . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَأْخِيرُ الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ وَتَأْخِيرُ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى , فَيَسْقُطُ إثْمُ التَّأْخِيرِ فَقَطْ عَمَّا مَضَى دُونَ الْأَصْلِ وَدُونَ التَّأْخِيرِ الْمُسْتَقْبَلِ . قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَلَيْسَ مَعْنَى التَّكْفِيرِ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ الدَّيْنَ يَسْقُطُ عَنْهُ , وَكَذَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِذَلِكَ . ا هـ . وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ كَحَرْبِيٍّ أَسْلَمَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِاقْتِضَائِهِ كَمَا قَالَ ح سُقُوطَ نَفْسِ الْحَقِّ وَلَا قَائِلَ بِهِ كَمَا عَلِمْتَهُ بَلْ هَذَا الْحُكْمُ يَخُصُّ الْحَرْبِيَّ كَمَا مَرَّ عَنْ الْأَكْمَلِ . قُلْتُ: قَدْ يُقَالُ بِسُقُوطِ نَفْسِ الْحَقِّ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْمَقْدِرَةِ عَلَى أَدَائِهِ سَوَاءٌ كَانَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حَقَّ عِبَادِهِ , وَلَيْسَ فِي تَرِكَتِهِ مَا يَفِي بِهِ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ إثْمُ التَّأْخِيرِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ إثْمٌ بَعْدَهُ فَلَا مَانِعَ مِنْ سُقُوطِ نَفْسِ الْحَقِّ , أَمَّا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَظَاهِرٌ , وَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَاَللَّهُ تَعَالَى يُرْضِي خَصْمَهُ عَنْهُ كَمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا هُوَ مُرَادُ الْقَائِلِينَ بِتَكْفِيرِ الْمَظَالِمِ أَيْضًا وَإِلَّا لَمْ يَبْقَ لِلْقَوْلِ بِتَكْفِيرِهَا مَحَلٌّ , عَلَى أَنَّ نَفْسَ مَطْلِ الدَّيْنِ حَقُّ عَبْدٍ أَيْضًا لِأَنَّ فِيهِ جِنَايَةً عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ عَنْهُ , فَحَيْثُ قَالُوا بِسُقُوطِهِ فَلْيَسْقُطْ نَفْسُ الدَّيْنِ أَيْضًا عِنْدَ الْعَجْزِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ عِيَاضٍ , لَكِنَّ تَقْيِيدَ عِيَاضٍ بِالتَّوْبَةِ وَالْعَجْزِ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ التَّوْبَةَ مُكَفِّرَةٌ بِنَفْسِهَا وَهِيَ إنَّمَا تُسْقِطُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى لَا حَقَّ الْعَبْدِ , فَتَعَيَّنَ كَوْنُ الْمُسْقِطِ هُوَ الْحَجَّ كَمَا اقْتَضَتْهُ الْأَحَادِيثُ الْمَارَّةُ ; أَمَّا أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ فَنَقُولُ: نَعَمْ ذَلِكَ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحَجِّ . وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحَيْنِ الْمَارُّ . وَحِينَئِذٍ صَحَّ قَوْلُ الشَّارِحِ كَحَرْبِيٍّ أَسْلَمَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَافْهَمْ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ تَجْوِيزَهُمْ تَكْفِيرَ الْكَبَائِرِ بِالْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ مُنَافٍ لِنَقْلِ عِيَاضٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ وَلَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ الْمَظَالِمِ أَيْضًا , بَلْ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِ إثْمِ الْمَطْلِ وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ يُنَافِيهِ لِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ وَقَدْ كَفَّرَهَا الْحَجُّ بِلَا تَوْبَةٍ . وَكَذَا يُنَافِيهِ عُمُومُ قوله تعالى - وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ * - وَهُوَ اعْتِقَادُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ كُلِّهَا سِوَى الْكُفْرِ فَإِنَّهُ قَدْ يُعْفَى عَنْهُ بِشَفَاعَةٍ أَوْ بِمَحْضِ الْفَضْلِ . وَالْحَاصِلُ كَمَا فِي الْبَحْرِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ فَلَا يُقْطَعُ بِتَكْفِيرِ الْحَجِّ لِلْكَبَائِرِ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى فَضْلًا عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ , وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ( قَوْلُهُ ضَعِيفٌ ) أَيْ بِكِنَانَةَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّهُمَا سَاقِطَا الِاحْتِجَاجِ كَمَا مَرَّ لَا بِأَبِيهِ الْعَبَّاسِ بْن مِرْدَاسٍ كَمَا وَقَعَ فِي الْبَحْرِ فَإِنَّهُ صَحَابِيٌّ وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ كَمَا بُيِّنَ فِي مَحَلِّهِ فَافْهَمْ .
وفي الموسوعة الفقهية (1) :
تَكْفِيرُ الْحَجِّ لِلْكَبَائِرِ:
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 12448)