عِيَاضٌ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْكَبَائِرَ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ , فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ , وَأَنَّ الْحَجَّ لَا يُقْطَعُ فِيهِ بِتَكْفِيرِ الْكَبَائِرِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَضْلًا عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّكْفِيرِ لِلْكُلِّ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ الدَّيْنَ يَسْقُطُ عَنْهُ , وَكَذَا قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ وَالصِّيَامَاتِ وَالزَّكَاةِ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِذَلِكَ , وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ إثْمَ مَطْلِ الدَّيْنِ وَتَأْخِيرِهِ يَسْقُطُ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إذَا مَطَلَ صَارَ آثِمًا الْآنَ , وَكَذَا إثْمُ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ أَوْقَاتِهَا يَرْتَفِعُ بِالْحَجِّ لَا الْقَضَاءُ ثُمَّ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ يُطَالَبُ بِالْقَضَاءِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ آثِمًا عَلَى الْقَوْلِ بِفَوْرِيَّتِهِ , وَكَذَا الْبَقِيَّةُ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِمُقْتَضَى عُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَجِّ كَمَا لَا يَخْفَى . وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ مُلَبِّيًا إلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ يَقْطَعُهَا إذَا وَقَفَ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْوُقُوفَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ , وَهُوَ أَعْظَمُ أَرْكَانِهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْحَجُّ عَرَفَةَ * وَشَرْطُهُ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا كَوْنُهُ فِي أَرْضِ عَرَفَاتٍ . الثَّانِي أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِهِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَلَيْسَ الْقِيَامُ مِنْ شَرْطِهِ وَلَا مِنْ وَاجِبَاتِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ جَالِسًا جَازَ ; لِأَنَّ الْوُقُوفَ الْمَفْرُوضَ هُوَ الْكَيْنُونَةُ فِيهِ , وَكَذَا النِّيَّةُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ وَوَاجِبُهُ الِامْتِدَادُ إلَى الْغُرُوبِ وَأَمَّا سُنَنُهُ فَالِاغْتِسَالُ لِلْوُقُوفِ وَالْخُطْبَتَانِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَتَعْجِيلُ الْوُقُوفِ عَقِيبَهُمَا , وَأَنْ يَكُونَ مُفْطِرًا لِكَوْنِهِ أَعْوَنَ عَلَى الدُّعَاءِ وَأَنْ يَكُونَ مُتَوَضِّئًا لِكَوْنِهِ أَكْمَلَ , وَأَنْ يَقِفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَأَنْ يَكُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ بِالْقُرْبِ مِنْهُ وَأَنْ يَكُونَ حَاضِرَ الْقَلْبِ فَارِغًا مِنْ الْأُمُورِ الشَّاغِلَةِ مِنْ الدُّعَاءِ , فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَنِبَ فِي مَوْقِفِهِ طَرِيقَ الْقَوَافِلِ وَغَيْرِهِمْ لِئَلَّا يَنْزَعِجَ بِهِمْ , وَأَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ السُّودِ مَوْقِفَ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ يَقِفُ بِقُرْبٍ مِنْهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَأَمَّا مَا اُشْتُهِرَ عِنْدَ الْعَوَّام مِنْ الِاعْتِنَاءِ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ جَبَلِ الرَّحْمَةِ الَّذِي هُوَ بِوَسَطِ عَرَفَاتٍ , وَتَرْجِيحُهُمْ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ فَخَطَأٌ ظَاهِرٌ وَمُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ , وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي صُعُودِ هَذَا الْجَبَلِ فَضِيلَةً تَخْتَصُّ بِهِ بَلْ لَهُ حُكْمُ سَائِرِ أَرَاضِي عَرَفَاتٍ غَيْرَ مَوْقِفِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ أَفْضَلُ إلَّا الطَّبَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي فَإِنَّهُمَا قَالَا بِاسْتِحْبَابِ قَصْدِ هَذَا الْجَبَلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ جَبَلُ الدُّعَاءِ . قَالَ وَهُوَ مَوْقِفُ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا قَالَاهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَا ضَعِيفٌ كَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَمِنْ السُّنَّةِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الدُّعَاءِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّلْبِيَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ التَّقْصِيرِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا فَإِنَّ هَذَا الْيَوْمَ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ وَيُكْثِرُ مِنْ التَّلَفُّظِ بِالتَّوْبَةِ مِنْ جَمِيعِ الْمُخَالَفَاتِ مَعَ النَّدَمِ بِالْقَلْبِ , وَأَنْ يُكْثِرَ الْبُكَاءَ مَعَ الذِّكْرِ فَهُنَاكَ تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ , وَتُسْتَقَالُ الْعَثَرَاتُ وَتُرْتَجَى الطَّلَبَاتُ , وَأَنَّهُ لَمَجْمَعٌ عَظِيمٌ وَمَوْقِفٌ جَسِيمٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَأَوْلِيَائِهِ الْمُخْلَصِينَ , وَهُوَ أَعْظَمُ مَجَامِعِ الدُّنْيَا , وَقَدْ قِيلَ إذَا وَافَقَ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ غُفِرَ لِكُلِّ أَهْلِ الْمَوْقِفِ وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حِجَّةً فِي غَيْرِ يَوْمِ جُمُعَةٍ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ , وَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ الْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ وَالْمُنَافَرَةِ وَالْكَلَامِ الْقَبِيحِ بَلْ وَمِنْ الْمُبَاحِ