قال خبَّاب بن الأرت رضي الله عنه: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردةً له في ظل الكعبة، فلقنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم، يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه، فما يصده ذلك عن دينه ، والله ليتمّن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ) .
إنها حضارة الأمن والهداية، وليست جاهلية الإرهاب الفكري، والجباية والحقد، إن إتمام الأمر إنما يكون بتحصيل الأمن للناس وهو أول شروط الحضارة والعطاء، وهذا يذكرنا أيضًا بقولة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد عودته من الهجرة إلى الطائف وبعد أن كان الذي كان من العذاب وبعد أن عرض عليه ملك الجبال إيقاع العقوبة بالناس: (عسى أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا ً) .
هجرة العقول والسواعد
العقول النابغة والسواعد القوية هي أشبه ما تكون بالمناجم والمواد الخام المركوزة بالدولة المتخلفة التي تعيش عصر ما بعد الاستعمار، والتي تتطلع إليها كثير من دول العالم لاجتيازها وتحويلها إلى دم جديد يدفق في جسم الحضارة الاستعمارية التي تسيطر عليها عقدة التفوق والتعالي؛ وبذلك يبقى الانهدام كبيرًا ودائمًا بين الدول المتخلفة والدول المتقدمة، ويستمر امتصاص العقول والخبرات كما تستمر عملية التحكم والاحتواء. ذلك أن الدول المتخلفة يُراد لها أن تبقى عاجزة عن الاستفادة من هذه العقول، تمامًا كعجزها عن الاستفادة من الخامات الموجودة في أرضها أو أشد عجزًا، ويأتي التحكم في العالم الإسلامي وامتصاص عقله وخبراته في الطليعة، فالقضية جزء من عملية الصراع الحضاري والخوف التاريخي من يقظة العالم الإسلامي.
والسبب الذي يؤدي إلى الهجرة واضح، فالدول الكبرى الاستعمارية هي القادرة على الاستفادة من هذه العقول وإغرائها بالهجرة إليها بتقديم المال من
جانب، وتدعيم أجواء القمع والإرهاب التي لا تسمح بطبيعة الحال باستيطان هذه العقول من جانب آخر، وإذا تغلبت هذه العقول على الإغراءات والظروف وحيل بينها وبين الهجرة لسبب أولًا فإنها تمارس نوعًا آخر من الهجرة وهي هنا ليست الهجرة إلى خارج الوطن، وإنما هي الهجرة في الوطن نفسه، ذلك أن أجواء القمع والقلق والإرهاب الفكري تصيب ملكات الإنسان بالعطالة الكاملة، فتجعل من العالم والباحث والمفكر إنسانًا عاديًا يمارس طعامه وشرابه وشهواته كأي مخلوق آخر، وقد يستنفد طاقته ليحصل على ذلك.
فكيف لنا والحالة هذه أن نطلب الإبداع والنبوغ والتقدم للمجتمعات المهاجرة؟!
وفي الحقيقة أن معظم الذين عرضوا لقضية هجرة العقول والخبرات إلى الدول المتقدمة تنازلوا بمعالجاتهم الأغراض والمظاهر، ولم يتناولوا الأسباب الحقيقية للظاهرة؛ لأن تناول الأسباب بجرأة وصدق قد يجعل منهم مهاجرين .
والأمر القديم الجديد الذي يلفت النظر أن الأجواء الرعيبة التي دفعت هذه العقول إلى الهجرة تحاول الامتداد والمطاردة والملاحقة حتى في بلدان المهجر؛ لأن وجود المهاجر مهما كانت الظروف يبقى شاهد إدانة دائم على الأسباب التي اضطرته للخروج؛ فلقد أرسلت قريش في إثر المسلمين المستضعفين إلى الحبشة تغري بهم ملكها ليسلمهم إليها لأنهم آبقون، ونسيت أن الذي دفعهم إلى الهجرة الظلم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم: (إن في الحبشة ملكا لا يظلم الناس عنده ) ..
والمسلم اليوم أمام هذا أمام هذا المفترق من الطرق وأولى به أن يختار المركب الصعب فيبقى في بلده طالما أمكنه البقاء إذا تبين له أن إمكاناته وطاقاته ستوظف بهجرته إلى أعداء دينه وعقيدته، وإن كان لا مناص من الهجرة لسبب خارج عن إرادته فليبصر أين يضع قدمه؟ وكيف يفيد من ثغره الجديد ؟ (1)
إلى أين سيهاجر المسلم اليوم ؟
وأما اليوم فإلى أين يهاجر المسلم ؟ وغالب بلاد الإسلام مستباحة للكفار والفجار
والمسلمون يحاربون في عقر دارهم ومن أبناء جلدتهم قبل غيرهم بحجة محاربة التطرف والإرهاب وغير ذلك من حجج شيطانية ،أملاها عليهم شياطين الإنس والجن ، وكذلك في بلاد الكفار فهو غير آمن على دينه ولا على عرضه ولا على نفسه فإلى أين المفر ؟
لا مفر إلا إلى الله تعالى وحده دون سواه
قال تعالى: { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} (50) سورة الذاريات
(1) - قلت: أنا متحفظ على بعض كلامه حول تغيير اسم الدور فهو مخالف للإجماع