إن دار الحرب أو دار الكفر إنما تتحدد خارطتها على ضوء وجود دار الإسلام ووضوح حدودها، ونحن الآن لا نجرؤ على نفي الإسلام عن بلاد العالم الإسلامي كما يحلو لبعضهم، ولكننا لانستطيع أيضًا أن نقول بأنها دار الإسلام المستكملة للشروط التي وضعها الفقهاء، إنها ليست دار الإسلام بكل معنى الكلمة.. لكنها ليست دار كفر وحرب وجاهلية كما يحب بعض من يدعو للإسلام أن يتعامل معها أو يصورها.. إنها ليست دار الإسلام بشروطها إنما هي ديار المسلمين على كل حال التي أصابها ما أصابها تاريخيًا. إن هذه الأحكام التي قررها الفقهاء قد تكون إلى حد بعيد مرتبطة بجو الحرية الذي من المفروض أ ن يتوفر في دار الإسلام وينعدم في دار الحرب والكفر،وقدرة المسلم على ممارسة الشعائر الإسلامية ونشر الدعوة والتحصن ضد الفتنة ، وفي اعتقادنا أن الأمر قد تغير الآن كما أسلفنا، إن كثيرًا من البلاد التي لا يمكن أن توصف بأنها إسلامية يجد فيها الإ نسان نوعًا من الحرية والأمن قد يفتقدها في موطنه، ويستطيع أن يمارس فيه إسلامه على شكل قد لا يتوفر له في بلده، لقد تغيرت الصورة وتغير الواقع، وانتشرت المراكز والجمعيات الإسلامية في العالم كله والتي نرجو الله أن تؤدي رسالتها على الوجه المطلوب، فلا بد والحالة هذه من إعادة النظر في هذه الأحكام الفقهية المبنية على الاجتهاد. والرسول صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: (اخرجوا إلى الحبشة فإن فيها ملكًا لا يُظلم الناس عنده ) .
لقد سمح بالهجرة وأمر بالخروج من مكة إلى الحبشة لما اشتد الظلم، وليست الحبشة دار الإسلام وإنما العدل وعدم الظلم متحقق فيها .
مفهومات مغلوطة
وقضية أخرى: فإذا كان ذلك كما أسلفنا فإن المصطلح أصلًا يصبح محل نظر، ولعلنا لا نجافي الحقيقة إذا استبدلنا أمة الإسلام بدار الإسلام.. وأمة الدعوة بدار الحرب أو الكفر، فقد يكون أكثر دقة وأقرب إلى الصواب.
فالناس قسمان: قسم أسلم، وقسم آخر لا يزال محلًا لدعوة الإسلام.. وقد تنبه لهذا الرازي رحمه الله في وقت مبكر فسمى المؤمنين أمة الاَّتباع، وغير المؤمنين بأمة الدعوة.
وهنا لا بد من إثارة جانب آخر في موضوع دار الإسلام ودار الحرب غير قضية جواز الهجرة وعدم جوازها، وهو لا يقل عنه أهمية: وهو أن بعض مسلمي اليوم يخلو لنفسه وتصوراته الخاصة الناشئة من النظر في بعض الجزئيات بعيدًا عن الواقع ويرسم الخارطة العقيدية لدار الكفر ودار الإسلام ، ويعتمد مقدمات خاطئة أو يضع معادلات يخرج بنتيجتها إلى أن بلاد المسلمين الآن لا تعتبر دار إسلام بشروطها المعروفة، وهذا يعني عنده أن له الحق أن يمارس فيها أنماطًا من السلوك وأنواعًا من المعاملات هي محل نظر من الناحية الشرعية، وقد تتطور الأمور عنده أكثر فأكثر فيحقد على المجتمع ويعلن الحرب عليه ـ لأنه غير إسلامي ـ وبذلك يلغي نفسه ويعطل رسالته ويهتك أمته ويسقط عاجزًا عن التعامل مع مجتمعه وحمل الهداية له والخير، ويفوته أن الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم كان يطلق عليه في المجتمع غير الإسلامي قبل البعثة (الأمين ) وأنه بعد البعثة عندما اضطر للهجرة إلى المدينة المنورة وقد ائتمر به المشركون استخلف عليًّا يؤدي الأمانات إلى أهلها على الرغم من أن ذلك كان خطرًا على حياته فأين نحن اليوم من منهج الإسلام السليم ؟
حضارة الهداية والأمن
لقد كانت قولة الأنبياء جميعًا على طريق الدعوة إلى الله: ( قل لا أسألكم عليه أجرًا إن أجري إلاّ على الله ) وما من الأنبياء نبي إلاّ كانت له حرفة يعيش منها، لذلك فمن المعالم الأساسية على طريق النبوة أن الحضارة الإسلامية حضارة هداية وليست وسيلة جباية.. ومن هنا فإن عملية الاحتراف بالإسلام والأكل به وقبض ثمن الدعوة الإسلامية والعمل الإسلامي من أخطر التحديات التي تهدد الكيان الإسلامي وتواجه عالم المسلمين اليوم، والفرق بعيد بين الذين يدفعون ثمن عقيدتهم، وتكون حركتهم محكومة بقولة الأنبياء ( قل لا أسألكم عليه أجرًا ) وعمل الأنبياء ويكون نشاطهم كله في سبيل الله ، (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) وبين الذين يحاولون قبض ثمن الدعوة سواء أكان ذلك من داخل العمل أم من خارجه ، فالهجرة الإسلامية إنما هي هجرة هداية وليست هجرة جباية فمن كانت هجرته لله ورسوله فهجرته لله ورسوله، ومن كا نت هجرته لدينا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه. لقد انسلك مع المهاجرين وسار معهم وفي طريقهم .. لكن هجرته كانت للجباية .. لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها.
إن حضارة الأمن والهداية للناس لا يمكن أ ن تأتي بالأماني والأحلام والادعاء، وإنما هي جهد ومعاناة وتضحية ابتغاء وجه الله وعدم استعجال وارتجال.