إذًا فمتى تعذَّرَ تحقيقُ هذه الغايةِ فوقَ أرضٍ ما فلا بُدَّ من البحثِ عن غيرِها مهما كان الثمن, ومهما كانتِ التضحيات، أملًا في إيجادِ أرضيةٍ صالحةٍ للانطلاقةِ العُظمى ونشرِ الإسلامِ في ربوعِ الأرض وعرضِ العقيدةِ بصفائِها ونقائِها على الناسِ دون ضغطٍ أو إكراهٍ. وهكذا كان الأمرُ في مكة, فيومَ رفضَ أهلُها الإيمانَ والتوحيد وآثروا الكفرَ والتقليد أصبحتْ مكةُ بلدَ كفرٍ ودارَ حربٍ, وحُرِّمَ البقاءُ فيها, وأصبحتْ مجاورتُها مع القدرةِ على مُغادرتِها واحدةً من كبائرِ الذنوب، إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:97] .
وأمَّا الدرسُ الثاني من دُروس الهجرةِ وهو ذو علاقةٍ وثيقةٍ بسابقهِ، ويوضحهُ ويجلّيهِ أنَّهُ لا قيمةَ للأرضِ ولا للوطنِ حين تفسدُ الأرضُ ويكفرُ الوطن. لقد هاجرَ النبيُ وأصحابهُ الوطنَ الذي تربَّوا فيه والأرضَ التي نشؤوا فوقها, وباعوها بأرخصِ الأثمانِ, واشتروا أنفسَهم وأموالَهم بأنَّ لهم الجنَّة، وفي هذا كلِّهِ صفعةٌ لكلِّ الذين يُمجّدون الأرضَ والرمال, ويُعظمونَ الصخورَ والترابَ على حسابِ العقيدةِ, حتى إنّهم ليفضلونها على جنّةِ الخُلدِ لو دخلوها، فيقولُ شاعرهم:
وطني لو شُغلتُ بالخُلدِ عنهُ…نازعتني إليهِ في الخلدِ نفسي
ويقول آخر:
وطني لو صوّروهُ لي وثنًا…لهممتُ ألثم ذلك الوثنا
ويقول وثنيٌّ ثالث:
ويا وطنِي لقيتُكَ بعد يأسٍ…كأنّي قد لقيتُ بكَ الشبابا
أديرُ إليكَ قبلَ البيتِ وجهِي…إذا فهتُ الشهادةَ والْمتابا
وحتى الأطفالُ الصغار يُربّونَهم على مِثلِ هذا الإلحاد, اسمع إليهم وهم يُرددون:
وهبتُكِ رُوحي وغالي دمي…وأَسمى أمانيِّ أن تسلمي
وأُشقي حياتي لكي تنعمِي…وقلبي يُلبّيكِ قبلَ الفمِ
بلادي سلمتِ وروحي الفداء
فماذا بقيَّ لله إذًا؟! ماذا بقيَّ لله؟!
إنَّ الولاءَ ـ أيَّها المربُون ـ يَجبُ أن يكونَ للهِ وحده, فالأرواحُ لا تُبذلُ إلا في سبيلهِ, والدماءُ لا تُراقُ إلا من أجلهِ, والجهادُ لا يكونُ إلا لإعلاءِ دينهِ، أما حُبّ الوطنِ فإنَّما يَكونُ بمقدارِ حبِّ أهلهِ للإسلام وتمسكِ أهلهِ بالإسلام، وبغيرِ الإسلام تصبحُ الأوطانُ مجرّدَ أتربةٍ وحجارة, لا وزنَ لها ولا قيمة، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيل [التوبة:38] .
وأمَّا الدرسُ الثالثُ من دروسِ الهجرة فبيانُهُ أنَّ هذا الدينِ لا يَقومُ إلا بالتضحيةِ والبذلِ والعطاء, إنَّهُ دينٌ لا يُعلِّقُ كبيرَ أملٍ على الكُسالى والخانعين, ولا يمنحُ شرفَ حملهِ ونُصرتهِ للمتراجعينَ والمتثاقلين, إنَّ الدينَ ليس قضية بيعٍ وشراء أو منّةً وأذى, إنَّما هو جهدٌ وعناء, وبذلٌ وعطاء, وتضحيةٌ وفداء, ودموعٌ ودماء, وجراحٌ وأشلاء. قلِّبِ النظرَ أنَّى شئتَ في تاريخِ أسلافِك: أما خُلعتْ رؤوسٌ من أجلِ هذا الدين؟! أما بُقرتْ بطونٌ؟! أما قُطِّعتْ أطرافٌ؟! أما سُحلت عيونٌ؟! قلْ: بلى, بلى, بلى. ثم اجمعْ قُواكَ يا رعاك الله، واحملْ القرآنَ في يدٍ والسنةَ في الأخرى.
وهدِّم فراشكَ رمزَ الْخمول…وقمْ للجهادِ ولا تقعدِ
وقم للنضالِ وخوضَ القتال…وشمِّر عن الساقِ والساعدِ
لقد مضتْ قوافلُ الشهداء وقوافلُ المجاهدين إلى ربها، بعضُها إثرَ بعض، فماذا صنعت أنتَ أيُّها الأخُ الحبيب؟! ماذا قدَّمت لدينِك وأُمتِك المُعذّبة؟! ما مقدارُ الهمِّ الذي تحملهُ في قلبِك تِجاه قضايا الإصلاحِ والتغيير؟! كم شخصا أسديتَ لهُ نصيحة أو قدّمت لهُ موعظة؟! ما جهودُكَ في بيتك تجاهَ أُمكَ وأبيك وأُختكَ وأخيك؟! هل غمرتهم بإحسانِك وخفضت لهم جناحَ الذلِّ من الرحمة؟! هل صنعتَ شيئًا ما تَقي به أهلَ بيتك نارًا وقودُها الناسُ والحجارة؟! ما دورُكَ تجاهَ جيرانك؟! هل وعظتَ واحدًا منهم؟! هل دفعتَ إليه كتابًا ينفعُهُ أو شريطًا يسمعُه؟! ألا كفى ـ يرحمكَ الله ـ تسويفًا وتثاقلًا.
وتبوّأ ـ رعاكَ اللهُ ـ لنفسك مَقعدًا في قوافلِ الدُعاةِ المخلصين، تُحشر مع الأنبياءِ والصديقين والشهداءِ الصالحين.
باركَ اللهُ لي ولكم بالقرآنِ العظيم، ونفعني وإيَّاكم بالذكر الحكيم، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية
أمَّا بعدُ: أيّها الموحدون، فدروسُ الهجرةِ كثيرة, وعبرُها متنوعة, والمقامُ مقامُ تذكيرٍ لا مقامُ بسطٍ وتفضيل, لكنَّنا نشيرُ أخيرًا إلى أنَّ الهجرةَ ماضيةٌ إلى يومِ القيامة كلَّما حِيلَ بين الناسِ وعبادةِ ربهم.
ثُمَّ تذكروا ـ يرحمكمُ الله ـ قولَه عليه السلام: (( المهاجرُ من هَجَر ما نهى الله عنه ) ).