أيها المسلمون، لم تكنْ الهجرةُ الشريفةُ إلى المدينة, لم تكنْ يومًا من الأيام ترفًا ثقافيًا أو سياحةً ومتعة أو استكشافًا لعالمٍ جديد, كلاَّ, لقد كانتْ خيارًا لا مفرّ منه, وحلًا أخيرًا بعد أنْ ضاقتْ بالمسلمينَ أرضُ مكةَ بما رحبت, وتغيرَ عليهم الناسُ, وأصبحتْ بضعُ ركعاتٍ في المسجدِ الحرامِ جريمةً لا تُغتفر, وغدتْ قراءةُ القُرآن رجعيةً وهمجيةً وإرهابًا وتطرفًا, نزلَ جبرائيلُ عليه السلام بأمرٍ من السماء لا يحتملُ التأخيرَ أو التردد: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر:1-3] .
فالقضيةُ جدٌ ليستْ بهزلٍ, والدينُ حقٌ ليس بلعبٍ, فلا مكانَ للخانعين, ولا مكانَ للمتكاسلين, ولا مكانَ للمعوقين المُخذِّلين, ونزلَ جبرائيلُ كذلك بقولهِ جلَّ جلاله: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94] , فاصدعْ بما تُؤمر ولا تخفْ في اللهِ لومةَ لائم, لا تخف أبا جهلٍ مهما تجبر, ولا تخف أبا لهبٍ مهما تهور, فما هم في الحقيقةِ إلاَّ أقزام لا يملكون حولًا ولا طولًا, ولا يملكون موتًا ولا حياةً ولا نشورًا.
فلبَّى عليه الصلاةُ والسلامُ النداء, وشمَّرَ عن ساقِ الجدِّ بكلِّ قُوة, وأسفرَ عن شجاعةٍ وبطولةٍ نادرتين, فما تركَ جبلًا إلا صعدَه, ولا واديًا إلا هبطَه, ولا شِعبًا إلا سلكَه: (( يا أيَّها الناسُ، قُولوا: لا إله إلا اللهُ تُفلحوا ) ), كلمةُ التوحيدِ العظيمةِ, ظلَّ يرفعُ بها صوتَه ثلاثةَ عشرَ عامًا غيرَ هيابٍ ولا وجلٍ, يصرخُ بها في كلِّ مجمعٍ من مجامعهم, وكلِّ مُنتدى من منتدياتِهم, فقامتْ عليه الجاهليةُ ولم تقعد, وحاربهُ الجاهليُّون بكلِّ وحشيةٍ وضراوة, فكلُّ من شعرَ بخطورةِ كلمةِ التوحيدِ على مصالحه وقفَ أمامَها وقفةَ الأسد, واستماتَ في الصدِّ عنها والتنديدِ بخطرِها، فقد شعرَ رؤساءُ العشائرِ أنَّ هذه الكلمة ستقوضُ سُلطتَهم من القواعد, فهبوا للدفاعِ عن سُلطانهمِ المُهدد ومكانتهمُ المستهدفة, كما أحسَّ الانتهازيون بخطرٍ يتهددُ مكاسبَهم الخبيثة وأرصدتهم الحرام وثرواتِهم المُغتصبة, فاستشاطوا غضبًا وامتلؤوا حنقًا, وتدافعوا يذودونَ عن مكاسبِهم بكلِّ وحشيةٍ وقسوة, كما أحسَّ الكهنةُ والمشعوذون بخطورةِ كلمةِ التوحيد على كهانتهِم وشعوذتهم, وأنَّها ستفرُقُ الناسَ من حولهم, فكشَّروا عن أنيابِهم, وأعلنوها حربًا لا تُبقي ولا تذر, كما أحسَّ بالخطرِ ذاته عُبادُ القوميةِ المتعصّبونَ لقومياتِهم وعشائرِهم, المقدّسون لتقاليدِهم وعاداتِهم, فجُنَّ جنونُهم وظهرَ مرضُ قلوبِهم وسفاهةُ عقولهمِ بأبشعِ صورةٍ وأقبحِها, فخرجوا للدفاعِ عن عصبياتِهمُ المُنتنةِ وتقاليدهمُ البالية, كما شعرَ بالخطرِ نفسِه عُبَّادُ الشهواتِ والأهواء, فقاموا من بين أحضانِ بغاياهم ومِن على موائدِ خمورهم معلنينَ الاحتجاجَ بشدة, ومدافعينَ عن مجونِهم وسُكرهم. وبالجملةِ فقد أحسَّ عُبادُ تلكَ الأوثانِ والأصنامِ على اختلافِ صورِها وأشكالِها وتعددِ ألقابِها ومسمياتِها, أحسوا بخطورةِ كلمةِ التوحيد على مصالحهم وأطماعهم, فاتحدوا جميعًا لحربِها وحربِ رافعِ لوائها، وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ص:6، 7] .
فعقدَ المجرمونَ العزمَ على مقاومةِ ذلكَ الناصح الأمين ووضع العراقيلِ في طريقه, فأوذي عليه السلامُ واضطُهد, وعُذِّب وطُرد, واتُهِم بالوسوسةِ والجنون والسحرِ والكِهانةِ, ورُمي بالكذبِ وقولِ الزور, ووصفوا القرآنَ بأنَّهُ أساطيرُ الأولين, وأنَّ محمدًا تتنزلُ عليه الشياطين, حتى إذا بلغَ السيلُ الزُبى واستعصتِ النفوسُ الخبيثة على الدعوة وظهرت صلابةُ القلوبِ وسفهُ الرجالِ أذنَ اللهُ بالهجرةِ إلى المدينةِ الشريفة, فخرجَ صحابةُ رسولِ اللهِ فرارًا بدينهم، وخوفًا من فرعونَ وملئِه أن يفتنهم, خرجوا تاركينَ الأرضَ التي وُلدوا فيها, والبلدَ الذي نشؤوا فيه, منخلعينَ من المالِ والأهلِ والولد, فما قيمةُ المالِ والأهلِ والولد حين تُهددُ العقيدةُ وتصادرُ الحُرية؟! وما كاد يمضي طويل وقتٍ إلاَّ ورسولُ اللهِ يخرجُ في أثرِ أصحابه وهو يقولُ: (( واللهِ يا مكةَ، إنَّكِ لخيرُ أرضِ الله, وأحبُ أرضِ اللهِ إلى الله، ولولا أنِّي أُخرجتُ منكِ ما خرجت ) ).
أيّها المسلمون، إنَّ في الهجرةِ دروسًا لا تُنسى ومآثرَ لا تُطوى, ألا ما أحوجَنا إلى تذاكرِ تلك الدروس واستلهام هاتيكَ العبر في وقتٍ كشَّر العدوُّ عن أنيابه وأطلَّتِ الرويبضةُ برأسِها القبيح. ألا إنَّ من أعظمِ دروسِ الهجرةِ الشريفةِ ما يجبُ أن نُدركَه جميعًا أنَّ الغايةَ الكُبرى من الوجودِ الإنسانيِ بأسرهِ هو عمارةُ الأرضِ بالتوحيدِ والإيمان, وإقامةُ حكم اللهِ وشرعهِ في عظائمِ الأُمورِ فما دُونها, أليس اللهُ يقولُ: إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:56] ؟!