إنه إذا كان هناك من يحتاج للدفاع والتبرير والاعتذار فليس هو الذي يقدم الإسلام للناس . وإنما هو ذاك الذي يحيا في هذه الجاهلية المهلهلة المليئة بالمتناقضات وبالنقائض والعيوب ، ويريد أن يتلمس المبررات للجاهلية . وهؤلاء هم الذين يهاجمون الإسلام ويلجئون بعض محبيه الذين يجهلون حقيقته إلى الدفاع عنه ، كأنه متهم مضطر للدفاع عن نفسه في قفص الاتهام !
بعض هؤلاء كانوا يواجهوننا - نحن القلائل المنتسبين إلى الإسلام - في أمريكا في السنوات التي قضيتها هناك - وكان بعضنا يتخذ موقف الدفاع والتبرير .. وكنت على العكس أتخذ موقف المهاجم للجاهلية الغربية .. سواء في معتقداتها الدينية المهلهلة . أو في أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية المؤذية .. هذه التصورات عن الأقانيم وعن الخطيئة وعن الفداء ، وهي لا تستقيم في عقل ولا ضمير .. وهذه الرأسمالية باحتكارها ورباها وما فيها من بشاعة كالحة .. وهذه الفردية الأثرة التي ينعدم معها التكافل إلا تحت مطارق القانون .. وهذا التصور المادي التافه الجاف للحياة .. وحرية البهائم التي يسمونها"حرية الاختلاط".. وسوق الرقيق التي يسمونها"حرية المرأة".. والسخف والحرج والتكلف المضاد لواقع الحياة في نظم الزواج والطلاق ، والتفريق العنصري الحادّ الخبيث .. ثم .. ما في الإسلام من منطق وسمو وإنسانية وبشاشة ، وتطلع إلى آفاق تطلع البشرية دونها ولا تبلغها . ومن مواجهة الواقع في الوقت ذاته ومعالجته معالجة تقوم على قواعد الفطرة الإنسانية السليمة .
وكانت هذه حقائق نواجهها في واقع الحياة الغربية .. وهي حقائق كانت تخجل أصاحبها حين تعرض في ضوء الإسلام ..
ولكن ناسًا - يدّعون الإسلام - ينهزمون أمام ذلك النتن الذي تعيش فيه الجاهلية ، حتى ليتلمسون للإسلام مشابهات في هذا الركاب المضطرب البائس في الغرب . وفي تلك الشناعة المادية البشعة في الشرق أيضًا !
ولست في حاجة بعد هذا إلى أن أقول: إننا نحن الذين نقدم الإسلام للناس ، ليس لنا أن نجاري الجاهلية في شيء من تصوراتها ، ولا في شئ من أوضاعها ، ولا في شئ من تقاليدها . مهما يشتد ضغطها علينا .
إن وظيفتنا الأولى هي إحلال التصورات الإسلامية والتقاليد الإسلامية في مكان هذه الجاهلية . ولن يتحقق هذا بمجاراة الجاهلية والسير معها خطوات في أول الطريق ، كما قد يخيل إلى البعض منا .. إن هذا معناه إعلان الهزيمة منذ أول الطريق ..
إن ضغط التصورات الاجتماعية السائدة ، والتقاليد الاجتماعية الشائعة ، ضغط ساحق عنيف ، وبخاصة في دنيا المرأة . ولكن لا بد مما ليس منه بد . لا بد أن نثبت أولًا ، ولا بد أن نستعلي ثانيًا ، ولا بد أن نُرى الجاهلية حقيقة الدرك الذي هي فيه بالقياس إلى الآفاق العليا المشرفة للحياة الإسلامية التي نريدها .
ولن يكون هذا بأن نجاري الجاهلية في بعض الخطوات ، كما أنه لن يكون بأن نقاطعها الآن وننزوي عنها وننعزل .. كلا ، إنما هي المخالطة مع التميز ، والأخذ والعطاء مع الترفع ، والصدع بالحق في مودة ، والاستعلاء بالإيمان في تواضع . والامتلاء بعد هذا كله بالحقيقة الواقعة . وهي أننا نعيش في وسط جاهلية ، وأننا أهدى طريقًا من هذه الجاهلية ، وإنها نقلة بعيدة واسعة ، هذه النقلة من الجاهلية إلى الإسلام ، وإنها هوة فاصلة لا يقام فوقها معبر للالتقاء في منتصف الطريق ، ولكن لينتقل عليه أهل الجاهلية إلى الإسلام ، سواء كانوا ممن يعيشون فيما يسمى الوطن الإسلامي ، ويزعمون أنهم مسلمون ، أو كانوا يعيشون في غير الوطن"الإسلامي"، وليخرجوا من الظلمات إلى النور ، ولينجوا من هذه الشقوة التي هم فيها ، وينعموا بالخير الذي ذقناه نحن الذين عرفنا الإسلام وحاولنا أن نعيش به .. وإلا فلنقل ما أمر الله سبحانه الرسول صلى الله عليه وسَلم أن يقوله:
اسْتِعْلاءُ الإِيمَان
أول ما يتبادر إلى الذهن من هذا التوجيه أنه ينصب على حالة الجهاد الممثلة في القتال .. ولكن حقيقة هذا التوجيه ومداه أكبر وأبعد من هذه الحالة المفردة ، بكل ملابساتها الكثيرة .
إنه يمثل الحالة الدائمة التي ينبغي أن يكون عليها شعور المؤمن وتصوره وتقديره للأشياء والأحداث والقيم والأشخاص سواء .
إنه يمثل حالة الاستعلاء التي يجب أن تستقر عليها نفس المؤمن إزاء كل شيء ، وكل وضع ، وكل قيمة ، وكل أحد ، الاستعلاء بالإيمان وقيمه على جميع القيم المنبثقة من أصل غير أصل الإيمان .
الاستعلاء على قوى الأرض الحائدة عن منهج الإيمان . وعلى قيم الأرض التي لم تنبثق من أصل الإيمان . وعلى تقاليد الأرض التي لم يصغها الإيمان ، وعلى قوانين الأرض التي لم يشرعها الإيمان ، وعلى أوضاع الأرض التي لم ينشئها الإيمان .
الاستعلاء .. مع ضعف القوة ، وقلة العدد ، وفقر المال ، كالاستعلاء مع القوة والكثرة والغنى على السواء .