فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 1664

والانتقال الكامل من نظام حياة إلى نظام آخر أعلى منه وأكمل وأنظف ، انتقال له ما يبرره في منطق الننفس .. ولكن ما الذي يبرر الانتقال من نظام الجاهلية إلى نظام الإسلام ، إذا كان النظام الإسلامي لا يزيد إلا تغييرًا طفيفًا هنا ، وتعديلًا طفيفًا هناك ؟ إن البقاء على النظام المألوف أقرب إلى المنطق . لأنه على الأقل نظام قائم ، قابل للإصلاح والتعديل ، فلا ضرورة لطرحه ، والانتقال إلى نظام غير قائم ولا مطبق ، مادام أنه شبيه به في معظم خصائصه !

كذلك نجد بعض الذين يتحدثون عن الإسلام يقدمونه للناس كأنه منهم يحاولون هم دفع التهمة عنه ! ومن بين ما يدفعون به أن الأنظمة الحاضرة تفعل كذا وكذا مما تعيب على الإسلام مثله ، وأن الإسلام لم يصنع شيئًا - في هذه الأمور - إلا ما تصنعه"الحضارات"الحديثة بعد ألف وأربعمئة عام !

وهان ذلك دفاعًا ! وساء ذلك دفاعًا !

إن الإسلام لا يتخذ المبررات له من النظم الجاهلية والتصرفات النكدة التي نبعث منها . وهذه"الحضارات"التي تبهر الكثيرين وتهزم أرواحهم ليست سوى نظم جاهلية في صميمها . وهي نظم معيبة مهلهلة هابطة حين تقاس إلى الإسلام .. ولا عبرة بأن حال أهلها بخير من حال السكان في ما يسمى الوطن الإسلامي أو"العالم الإسلامي"! فهؤلاء صاروا إلى هذا البؤس بتركهم للإسلام لا لأنهم مسلمون .. وحجة الإسلام التي يدلى بها للناس: إنه خير منها بما لا يقاس ، وإنه جاء ليغيّرها لا ليقرّها ، وليرفع البشرية عن وهدتها لا ليبارك تمرغها في هذا الوحل الذي يبدو في ثوب"الحضارة"..

فلا تبلغ بنا الهزيمة أن نتلمس للإسلام مشابهات في بعض الأنظمة القائمة ، وفي بعض المذاهب القائمة ، وفي بعض الأفكار القائمة . فنحن نرفض هذه الأنظمة في الشرق أو في الغرب سواء .. إننا نرفضها كلها لأنها منحطة ومتخلفة بالقياس إلى ما يريد الإسلام أن يبلغ بالبشرية إليه .

وحين نخاطب الناس بهذه الحقيقة ، ونقدم لهم القاعدة العقيدية للتصور الإسلامي الشامل ، يكون لديهم في أعماق فطرتهم ما يبرر الانتقال من تصور إلى تصور ، ومن وضع إلى وضع . ولكننا لا نخاطبهم بحجة مقنعة حين نقول لهم: تعالوا من نظام قائم فعلًا إلى نظام آخر غير مطبق ، لا يغير في نظامكم القائم إلا قليلًا . وحجته إليكم أنكم تفعلون في هذا الأمر وذاك مثلما يفعل هو ، ولا يكلفكم إلا تغيير القليل من عاداتكم وأوضاعكم وشهواتكم ، وسيبقى لكم كل ما تحرصون عليه منها ولا يمسه مسًا خفيفًا !!

هذا الذي يبدو سهلًا في ظاهره ، ليس مغريًا في طبيعته ، فضلًا على أنه ليس هو الحقيقة .. فالحقيقة أن الإسلام يبدل التصورات والمشاعر ، كما يبدل النظم والأوضاع ، كما يبدل الشرائع والقوانين تبديلًا أساسيًا لا يمت بصلة إلى قاعدة الحياة الجاهلية ، التي تحياها البشرية .. ويكفي أنه ينقلهم جملة وتفصيلًا من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ..

والمسألة في حقيقتها هي مسألة كفر وإيمان ، مسألة شرك وتوحيد ، مسألة جاهلية وإسلام . وهذا ما ينبغي أن يكون واضحًا .. إن الناس ليسوا مسلمين - كما يدّعون - وهم يحيون حياة الجاهلية . وإذا كان فيهم من يحب أن يخدع نفسه أو يخدع الآخرين ، فيعتقد أن الإسلام يمكن أن يستقيم مع هذه الجاهلية فله ذلك . ولكن انخداعه أو خداعه لا يغير من حقيقة الواقع شيئًا .. ليس هذا إسلامًا ، وليس هؤلاء مسلمين . والدعوة اليوم إنما تقوم لترد هؤلاء الجاهلين إلى الإسلام ، ولتجعل منهم مسلمين من جديد .

ونحن لا ندعو الناس إلى الإسلام لننال منهم أجرًا . ولا نريد علوًّا في الأرض ولا فسادًا . ولا نريد شيئًا خاصًا لأنفسنا إطلاقًا ، وحسابنا وأجرنا ليس على الناس . إنما نحن ندعو الناس إلى الإسلام لأننا نحبهم ونريد لهم الخير .. مهما آذونا .. لأن هذه هي طبيعة الداعية إلى الإسلام ، وهذه هي دوافعه .. ومن ثَمَّ يجب أن يعلموا منا حقيقة الإسلام ، وحقيقة التكاليف التي سيطلبها إليهم ، في مقابل الخير العميق الذي يحمله لهم . كما يجب أن يعرفوا رأينا في حقيقة ما هم عليه من الجاهلية .. إنها الجاهلية وليست في شيء من الإسلام ، إنها"الهوى"ما دام أنها ليست هي"الشريعة". إنها"الضلال"ما دام أنها ليست هي الحق .. فماذا بعد الحق إلا الضلال !

وليس في إسلامنا ما نخجل منه ، وما نضطر للدفاع عنه ، وليس فيه ما نتدسس به للناس تدسسًا ، أو ما نتلعثم في الجهر به على حقيقته .. إن الهزيمة الروحية أمام الغرب وأمام الشرق وأمام أوضاع الجاهلية هنا وهناك هي التي تجعل بعض الناس .."المسلمين".. يتلمس للإسلام موافقات جزئية من النظم البشرية ، أو يتلمس من أعمال"الحضارة"الجاهلية ما يسند به أعمال الإسلام وقضاءه في بعض الأمور ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت