وجملة {وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ} معطوفة على {أَعْظَمُ دَرَجَةً} أي: أعظم وهم أصحاب الفوز. وتعريف المسند باللام مفيد للقصر، وهو قصر ادعائي للمبالغة في عظم فوزهم حتى إن فوز غيرهم بالنسبة إلى فوزهم يعد كالمعدوم.
والإتيان باسم الإشارة للتنبيه على أنهم استحقوا الفوز لأجل تلك الأوصاف التي ميزتهم: وهي الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس.
[21،22] {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ, خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} .
بيان للدرجة العظيمة التي في قوله: {أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ} [التوبة:20] فتلك الدرجة هي عناية الله تعالى بهم بإدخال المسرة عليهم، وتحقيق فوزهم، وتعريفهم برضوانه عليهم، ورحمته بهم، وبما أعد لهم من النعيم الدائم. ومجموع هذه الأمور لم يمنحه غيرهم من أهل السقاية والعمارة، الذين وإن صلحوا لأن ينالوا بعض هذه المزايا فهم لم ينالوا جميعها.
والتبشير: الإخبار بخير يحصل للمخبر لم يكن عالما به.
فإسناد التبشير إلى اسم الجلالة بصيغة المضارع، المفيد للتجدّد، مؤذن بتعاقب الخيرات عليهم، وتجدّد إدخال السرور بذلك لهم، لأّن تجدد التبشير يؤذن بأن المبشّر به شيء لم يكن معلوما للمبشّر (بفتح الشين) وإلاّ لكان الإخبار به تحصيلا للحاصل.
وكون المسند إليه لفظ الربّ، دون غيره ممّا يدلّ على الخالق سبحانه، إيماء إلى الرحمة بهم والعناية: لأنّ معنى الربوبية يرجع إلى تدبير المربوب والرفق به واللطف به، ولتحصل به الإضافة إلى ضميرهم إضافة تشريف.
وتقدّمت الرحمة في قوله: {الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة:1] .
والرضوان - بكسر - الراء وبضمها -: الرضا الكامل الشديد، لأنّ هذه الصيغة تشعر بالمبالغة مثل الغفران والشكران والعصيان.
والجنّات تقدّم الكلام عليها في ذكر الجنة في سورة البقرة، وجمعها باعتبار مراتبها وأنواعها وأنواع النعيم فيها.
والنعيم: ما به التذاذ النفس باللذات المحسوسة، وهو أخص من النعمة. قال تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الإنفطار:13] وقال: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر:8] .
والمقيم المستمّر، استعيرت الإقامة للدوام والاستمرار.
والتنكير في {بِرَحْمَةٍ، وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ، وَنَعِيمٌ} للتعظيم، بقرينة المقام، وقرينة قوله: {مِنْهُ} وقرينة كون تلك مبشرًّا بها.
وجملة {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} تذييل وتنويه بشأن المؤمنين المهاجرين المجاهدين لأّن مضمون هذه الجملة يعمّ مضمون ما قبلها وغيره، وفي هذا التذييل إفادة أن ما ذكر من عظيم درجات المؤمنين المهاجرين المجاهدين هو بعض ما عند الله من الخيرات فيحصل من ذلك الترغيب في الازدياد من الأعمال الصالحة ليزدادوا رفعة عند ربهم، كما قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -"ما على من دعي من جميع تلك الأبواب من ضرورة".
والأجر: العوض المعطى على عمل، وتقدم في قوله: {إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} في سورة العقود [5] .
وقال ابن العربي (1) :
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْله تَعَالَى: { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاَلَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } .
رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِحَارِثَةَ: يَا حَارِثَةُ ، كَيْفَ أَصْبَحْت ؟ قَالَ: مُؤْمِنًا حَقًّا .
قَالَ: لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةٌ ، فَمَا حَقِيقَةُ إيمَانِكَ ؟ قَالَ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنْ الدُّنْيَا ؛ فَاسْتَوَى عِنْدِي حَجَرُهَا وَذَهَبُهَا ، وَكَأَنِّي نَاظِرٌ إلَى عَرْشِ رَبِّي .
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَرَفْت فَالْزَمْ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: { لَا يُدْرِكُ أَحَدُكُمْ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي النَّارِ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: { إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } إلَى قَوْلِهِ: كَرِيمٌ .
وَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ حَقًّا ظَهَرَ ذَلِكَ فِي اسْتِقَامَةِ الْأَعْمَالِ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ .
وَاجْتِنَابِ النَّهْيِ ، وَإِذَا كَانَ مَجَازًا قَصَّرَتْ الْجَوَارِحُ فِي الْأَعْمَالِ ؛ إذْ لَمْ تَبْلُغْ قُوَّتُهُ إلَيْهَا .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (2) :
(1) - أحكام القرآن لابن العربي - (ج 4 / ص 184)
(2) - مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 2 / ص 446)