فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 1664

وثلث بالجنات في مقابلة الهجرة وترك الأوطان ، إشارة إلى أنهم لما آثروا تركها - في سبيله أعطاهم بدلها دارًا عظيمة دائمة وهى الجنات .

وفى الحديث الصحيح يقول الله - سبحانه -:"يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون كيف لا نرضى وقد باعدتنا عن نارك وأودخلتنا جنتك؟ فيقول - سبحانه - لكم عندى أفضل من ذلك ، فيقولون: وما أفضل من ذلك؟ فيقول جل شأنه: أحل لكم رضائى فلا أسخط عليكم بعده أبدًا".

وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت أنه لا تصح المساواة بين المؤمنين الصادقين الذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، وبين غيرهم ممن لم يفعل فعلهم ، ولم يجاهد جهادهم . .

وقال السعدي (1) :

لما اختلف بعض المسلمين، أو بعض المسلمين وبعض المشركين، في تفضيل عمارة المسجد الحرام، بالبناء والصلاة والعبادة فيه وسقاية الحاج، على الإيمان باللّه والجهاد في سبيله، أخبر اللّه تعالى بالتفاوت بينهما، فقال: { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ } أي: سقيهم الماء من زمزم كما هو المعروف إذا أطلق هذا الاسم، أنه المراد { وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ [ ص 332 ] الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ }

فالجهاد والإيمان باللّه أفضل من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام بدرجات كثيرة، لأن الإيمان أصل الدين، وبه تقبل الأعمال، وتزكو الخصال.

وأما الجهاد في سبيل اللّه فهو ذروة سنام الدين، الذي به يحفظ الدين الإسلامي ويتسع، وينصر الحق ويخذل الباطل.

وأما عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج، فهي وإن كانت أعمالا صالحة، فهي متوقفة على الإيمان، وليس فيها من المصالح ما في الإيمان والجهاد، فلذلك قال: { لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } أي: الذين وصفهم الظلم، الذين لا يصلحون لقبول شيء من الخير، بل لا يليق بهم إلا الشر.

ثم صرح بالفضل فقال: { الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ } بالنفقة في الجهاد وتجهيز الغزاة { وَأَنْفُسِهِمْ } بالخروج بالنفس { أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } أي: لا يفوز بالمطلوب ولا ينجو من المرهوب، إلا من اتصف بصفاتهم، وتخلق بأخلاقهم.

{ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ } جودا منه، وكرما وبرا بهم، واعتناء ومحبة لهم، { بِرَحْمَةٍ مِنْهُ } أزال بها عنهم الشرور، وأوصل إليهم [بها] كل خير. { وَرِضْوَانٍ } منه تعالى عليهم، الذي هو أكبر نعيم الجنة وأجله، فيحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبدا.

{ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ } من كل ما اشتهته الأنفس، وتلذ الأعين، مما لا يعلم وصفه ومقداره إلا اللّه تعالى، الذي منه أن اللّه أعد للمجاهدين في سبيله مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، ولو اجتمع الخلق في درجة واحدة منها لوسعتهم.

{ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } لا ينتقلون عنها، ولا يبغون عنها حِوَلا { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } لا تستغرب كثرته على فضل اللّه، ولا يتعجب من عظمه وحسنه على من يقول للشيء كن فيكون.

وقال الطاهر بن عاشور (2) :

هذه الجملة مبينّة لنفي الاستواء الذي في جملة {لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ} [التوبة:19] ومفصّلة للجهاد الذي في قوله: {كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة:19] بأنّه الجهاد بالأموال والأنفس، وإدماج لبيان مزية المهاجرين من المجاهدين.

و (الذين هاجروا) هم المؤمنون من أهل مكة وما حولها، الذين هاجروا منها إلى المدينة لما أذنهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إليها بعد أن أسلموا، وذلك قبل فتح مكة.

والمهاجرة: ترك الموطن والحلول ببلد آخر، وهي مشتقة من الهجر وهو الترك، واشتقت لها صيغة المفاعلة لاختصاصها بالهجر القوي وهو هجر الوطن، والمراد بها - في عرف الشرع - هجرة خاصة: وهي الهجرة من مكة إلى المدينة، فلا تشتمل هجرة من هاجر من المسلمين إلى بلاد الحبشة لأنّها لم تكن على نيّة الاستيطان بل كانت هجرة مؤقته، وتقدّم ذكر الهجرة في آخر سورة الأنفال.

والمفضل عليه محذوف لظهوره: أي أعظم درجة عند الله من أصحاب السقاية والعمارة الذين آمنوا ولم يهاجروا ولم يجاهدوا الجهاد الكثير الذي جاهده المسلمون أيام بقاء أولئك في الكفر، والمقصود تفضيل خصالهم.

والدرجة تقدّمت عند قوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} في سورة البقرة [228] . وقوله: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} في أوائل الأنفال [4] . وهي في كل ذلك مستعارة لرفع المقدار. و {عِنْدَ اللَّهِ} إشارة إلى أنّ رفعة مقدارهم رفعة رضى من الله وتفضيل بالتشريف، لأن أصل (عند) أنّها ظرف للقرب.

(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 331)

(2) - التحرير والتنوير - (ج 10 / ص 52)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت