فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 1664

أقول: الفرق بينهما كالفرق بين الكفر المجرد والكفر المغلظ المركب الذي يعلو بعضه بعضًا ويركب بعضه بعضًا، فمكة كانت يومئذٍ بالنسبة للحبشة كالكفر المركب المغلّظ قياسًا إلى الكفر المجرد .. والله تعالى أعلم.

قال ابن حزم في المحلى 12/125: وأما من فرَّ إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يُحارب المسلمين، ولا أعانهم عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه لأنه مضطر مكره.

وقد ذكرنا أن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب، كان عازمًا على أنه إن مات هشام بن عبد الملك لحق بأرض الروم؛ لأن الوليد بن يزيد كان نذر دمه إن قدر عليه، وهو كان الوالي بعد هشام، فمن كان هكذا فهو معذور ا- هـ.

3-تقوية المسلمين وإضعاف المشركين: من بواعث وغايات الهجرة كذلك إحياء فريضة الجهاد، وتقوية المسلمين وتكثير سوادهم على المشركين .. فالهجرة والجهاد شيئان متلازمان، وأحدهما سبب للآخر ولازم له، وبقاء أحدهما لازم لبقاء الآخر.

هذا الترابط والتلازم والعلاقة دلت عليها نصوص عدة، كما في قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } الأنفال:72.

وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } البقرة:218.

وقال تعالى: { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } النحل:110.

وقال تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } الأنفال:74.

وقال تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } التوبة:20.فتأمل كيف تُذكر الهجرة مع الجهاد، وكمقدمة ضرورية للجهاد.

وفي الحديث فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إن الهجرة لا تنقطع ما"

دام الجهاد" [ (1) ] . أي ما دام الجهاد ماضٍ وقائمًا فإن الهجرة ماضية وقائمة معه لتلازم الجهاد في سبيل الله للهجرة وانحياز المسلمين إلى دار الجهاد وصفوف المجاهدين."

وقال - صلى الله عليه وسلم:"لا تنقطع الهجرة ما جوهد العدو" [ (2) ] .

وقال - صلى الله عليه وسلم:"لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" [ (3) ] .

قلت: وسبب عدم انقطاع الهجرة حتى تنقطع التوبة .. وحتى تطلع الشمس من مغربها أن الجهاد ماضٍ إلى قيام الساعة، كما في الحديث:"الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة؛ الأجر والغنيمة"مسلم. فبقاء الجهاد إلى يوم القيامة دل على بقاء لازمه"الهجرة"إلى قيام الساعة كما أفاد بذلك منطوق الأحاديث الصحيحة.

ومما يؤكد على هذا التلازم بين الهجرة والجهاد .. أن عدم الهجرة من دار الحرب يؤدي في الغالب إلى أن يكون المسلمون المقيمون في دار الكفر ترسًا يتترس به أهل الكفر والشرك عند نشوب أي حرب بينهم وبين المسلمين .. هذا إذا ما أرغموا على الخروج للقتال في صفوفهم وتكثير سوادهم على المسلمين [ (4) ] .

هذا المزلق المحتمل قد أشارت إليه النصوص الشرعية في مواضع عدة، كما في قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } النساء:97.

{ ظالمي أنفسهم } بتركهم للهجرة، وإقامتهم بين أظهر المشركين، وتكثير سوادهم على المسلمين مع قدرتهم على الهجرة والتحول إلى دار الإسلام .. قبل أن يُكرهوا أو يُضطروا على الخروج مع المشركين لقتال المسلمين!

(1) أخرجه أحمد وغيره، صحيح الجامع: 1991.

(2) السلسلة الصحيحة: 1674.

(3) أخرجه أحمد، وأبو داود، صحيح الجامع: 7469.

(4) كما حصل ذلك مؤخرًا للمسلمين المقيمين في أمريكا والمتجنسين بجنسيتها .. الذين اضطروا للمشاركة مع الجيش الأمريكي الكافر المعتدي في قتاله ضد المسلمين في أفغانستان

والغريب في الأمر أنه وجد من علماء السوء المعاصرين من برر وجوز لهم المشاركة في هذه الحرب الآثمة التي تقودها أمريكا ـ راعية الكفر والظلم والإرهاب العالمي ـ ضد المسلمين .. وضد المستضعفين من أبناء المسلمين .. على اعتبار ضرورة تقديم الولاء الوطني .. وللجنسية .. على الولاء العقدي الديني ..!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت