فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 1664

وقال تعالى: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا } النساء:140.

فجعل - سبحانه وتعالى - حكم الجالس معهم ـ من غير إنكار ولا قيام ولا إكراه ـ حكمهم { فإنهم مثلهم } من حيث الكفر أو الظلم أو الفسق، بحسب ما يدور في المجلس؛ فإن كان كفرًا فهو كافر مثلهم وإن كان فسقًا أو ظلمًا دون الكفر فهو فاسق وظالم، كما في الأثر عن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أنه أخذ قومًا على شرابٍ، فضربهم وفيهم صائم! فقالوا: إن هذا صائم .. فتلا عليهم قوله تعالى: { فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيره إنكم إذًا مثلهم } .

وقال تعالى: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } المائدة:78-79.

جاء في تفسير هذه الآية: أن بني إسرائيل لما وقعت في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وسليمان وعيسى ابن مريم.

قلت: هذا فيمن يجالسهم بعد أن ينهاهم فلا ينتهوا .. فكيف بمن يجالسهم من غير نهي ولا إنكار .. لا شك أنه أولى باللعن والطرد من رحمة الله تعالى. وفي الحديث فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"مثل جليسِ الصالح والسوء كمثل حامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبةً. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحًا خبيثةً"متفق عليه. فهجر الظالمين .. وهجر مجالسهم مطلب شرعي قد

حضت عليه الشريعة، لا بد من مراعاته والعمل به، وفق ضوابط الشرع.

2-سلامة النفس: فحيثما يجد المرء نفسه مهددة بالقتل أو الهلاك المحقق من قبل الظالمين .. وليس له القدرة على دفع الظلم عن نفسه فله أن يُهاجر طلبًا للسلامة إلى حيث يجد الأمن والأمان لنفسه وأهله.

فمن مقاصد الشريعة التي جاء الإسلام للحفاظ عليها وصونها من أي خطر يتهددها"النفس".. فرخص للمسلم أمورًا عدة من أجل أن يُحافظ على نفسه من الهلاك أو الموت.

منها: فعل بعض المحظورات بقدر دفعًا لهلاك النفس؛ كالذي يكون في صحراء وتنقطع عنه جميع الطرق التي توصله إلى الماء .. ولم يجد إلا خمرًا .. فله أن يشرب من الخمر القدر الذي يمكنه من الوصول إلى أماكن توفر الماء.

وكذلك لو كاد أن يموت من الجوع ولم يجد إلا ميتة أو لحم خنزير فله أن يأكل القدر الذي يقيم صلبه إلى حين يصل إلى المكان الذي يتوفر فيه الطعام الحلال، كما قال تعالى: { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ } الأنعام:119. فاستثنى الله تعالى من الوقوع في الإثم أهل الاضطرار.

وقال تعالى: { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } البقرة:173.

من هذه النصوص وغيرها استنبط أهل العلم القاعدة الفقهية المعروفة التي تقول بأن:"الضرورات تبيح المحظورات".

ومنها: أن يُظهر كلمة الكفر ـ وقلبه مطمئن بالإيمان ـ لو كان القتل

ونحوه لا يندفع عنه إلا بذلك، لقوله تعالى: { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } النحل:106.

ولحديث عمار وفيه أن المشركين أخذوه، فلم يتركوه حتى سبّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر آلهتهم بخير! فلما أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما وراءك؟"قال: شرٌّ يا رسول الله، ما تُركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"فكيف تجد قلبك؟"قال: أجد قلبي مطمئنًا بالإيمان. قال:"فإن عادوا فعُد".

ومنها: الهجرة ـ ولو إلى بلاد الكفر ـ إن لم يجد سبيلًا لدفع الهلاك عن نفسه وأهله إلا بالهجرة والاغتراب، كما حصل لبعض الصحابة رضي الله عنهم لما أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة إلى الحبشة لكونها بلدة يوجد فيها ملكًا عُرف بالعدل لا يُظلم عنده أحد .. ولما في الحبشة ـ رغم كونها دار كفر ـ من الأمن والسلام مالا يجده المسلمون ـ وبخاصة منهم المستضعفين ـ في مكة يومئذٍ.

فإن قيل الحبشة كانت دار كفر .. ومكة كانت دار كفر فما الفرق بينهما ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت