أن المراد بالركوع عند أكثر أهل العلم في هذه الآية: السجود على الصحيح لأنه قد يعبر عن السجود بالركوع, وهو مثل قوله تعالى: { وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا } الآية، البقرة: 58، يعني: ركوعًا [1] 1) ثم لو سلم بأن ما فعله داود -عليه السلام - هو الصلاة؛ فليس فيه دلالة على المنع من سجود الشكر، وإنما هو حكاية فعله - عليه السلام - وفعله هو من شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه [2] 2). وقد جاء في شرعنا ما يخالفه مما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سجد مفردًا من غير صلاة كاملة - وسبقت الأدلة - فلا حجة في هذه الآية على منع سجود الشكر.
القول الراجح:
الراجح هو القول الأول، وهو: القول بأن سجود الشكر مستحب، وهو قول الجمهور ومنهم الخلفاء الذين أمرنا بالاستنان بسنتهم وهما أبوبكر وعلي، وكذلك أن ما ورد عن بعضهم كان في عهد الصحابة ولم يرد عن أحد ممن عاصرهم أنه خالفهم - وتقدم - هذا مع ضعف أدلة القائلين بعدم مشروعيته.
قال ابن القيم:"ولا أعلم شيئًا يدفع هذه السنن والآثار مع صحتها وكثرتها، غير رأي فاسد وهو أن نعم الله - سبحانه وتعالى- لا تزال واصلة إلى عبده فلا معنى لتخصيص بعضها بالسجود وهذا من أفسد رأي وأبطله" [3] 1).
فتبين أن قول ابن خويز منداد في هذه المسألة مرجوح.
والله أعلم.
(1) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (3/642) .
(2) انظر: المستصفى لمحمد الغزالي (ص165) ، وروضة الناظر لابن قدامة (2/522-524) ، والبحر المحيط للزركشي (8/44) .
(3) إعلام الموقعين (4/313) .