وقال ابن جرير الطبري:"وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: إن حكم هذه الآية ثابت لم ينسخ، وأن للحكام من الخيار في الحكم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا وترك الحكم بينهم والنظر، مثل الذي جعله الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك في هذه الآية، وإنما قلنا: ذلك أولاهما بالصواب، لأن القائلين: إن حكم هذه الآية منسوخ، زعموا أنه نسخ بقوله: { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } ... والنسخ لا يكون نسخًا إلا ما كان نافيًا لحكم غيره بكل معانيه، حتى لا يجوز اجتماع الحكم بالأمرين جميعًا على صحته بوجه من الوجوه، ... وإذا كان ذلك كذلك، وكان غير مستحيل في الكلام أن يقال: { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } ومعناه: وأن أحكم بينهم بما أنزل الله إذا حكمت بينهم باختيارك الحكم بينهم، إذا اخترت ذلك، ولم تختر الإعراض عنهم ... ، كان معلومًا بذلك ألا دلالة في قوله: { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } . أنه ناسخ قوله: { فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) } المائدة: 42. لما وصفنا من احتمال ذلك ما بينا، بل هو دليل على مثل الذي دل عليه قوله: { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } وإذا لم يكن في ظاهر التنزيل دليل على نسخ إحدى الآيتين الأخرى، ولا نفي أحد الأمرين حكم الآخر، ولم يكن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر يصح بأن أحدهما ناسخ صاحبه، ولا من المسلمين على ذلك إجماع، صح ما قلنا من أن كلا الأمرين يؤيد أحدهما صاحبه، ويوافق حكمُه حكمَه، ولا نسخ في أحدهما للآخر" [1] .
(1) تفسير الطبري (8/444- 445) .