« اللهم أشكو اليك ضعف قوتى ، وقلة حيلتى وهوانى على الناس ، فأنت رءوف ، وأنت أرحم الراحمين ، وأنت رب المستضعفين ، وأنت بى ، الى من تكلنى؟ الى بعيد يتجهمنى ، أو الى عدو ملكته أمرى ، ان لم يكن لك على غضبٌ فلا أبالى ، ولكن عافيتك أوسع لى ، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، من ان ينزل على غضبك ، أو يحل على سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك » .
وتحركت له رحم عتبة وشيبة ، وأرسلا اليه عنبا في طبق مع عداس ، غلام نصرانى ، فقال بسم الله وأكل ، فنظر الى وجهه فقال: والله ما يقول أهل هذه البلاد هذا الكلام ، فقال A: « من أى بلد أنت وما دينك » فقال نصرانى من نينوى ، فقال: « من بلد الرجل الصالح يونس ابن متى؟ » فقال: ما أدراك به ، فقال: « هو أخى نبى وأنا نبى » فقبل رأسه وقدميه ويديه ، فقالا له ، ويلك مالك؟ فقال: هو نبى أخبرنى بأمر لا يعرفه إلا نبى ، فقالا: دينك أفضل من دينه ، فقال: بل دينه أفضل ، وانصرف آسا من خير ثقيف ، حتى اذا كان ببطن نخلة قام من جوف الليل يصلى فمر به نفر من جن نصيبين قاصدين اليمن ، إذ منعوا من استراق السمع ، كما قال الله D:
{ وإذ } اذكر إذ ، ولا مانع من عطفه على أخا عاد { صَرفنا إليْك } وجهنا اليك { نفرًا مِن الجن } هم هنا سبعة أو تسعة عشر ، أو تسعة أو اثنا عشر ألفا روايات ، ولعل صرف الجن وقع مرارا بحسب هذا العدد ، تارة سبعة ، وتارة تسعة ، وتارة تسعة عشر ، وتارة اثنى عشر ألفا ، وشهر أن النفر ما بين الثلاثة والعشرة من النفير ، وهم من يسرع عاجلا الى مهم دعوا اليه ، ويسهل وجودهم ، وذلك على الغالب ، وقد يستعمل في غيره ، فانه يطلق على العشرة في الفصيح ، وذكر بعض اللغويين: أنه يستعمل الى الأربعين ، وفى كلام الشعبى حدثنا بضع عشرة نفرا أى رجلا ، ولا يختص بالرجال ، ولا ببنى آدم ، كما أطلق في الآية على الجن ، فنقول: حقيقة فيهم لا مجاز ، كما هو حقيقة في الناس .
قيل: الجن ثلاثة: صنف بأجنحة يطيرون ، وصنف على صورة الحيات والكلاب ، وصنف يحلون ويرحلون ، وبقى قسم رابع يسكنون مع الناس في بيوتهم وديارهم ، وفى البيوت الخالية ، فالأصناف أربعة ، وفيه الثلاث والسبعون فرقة التى في بنى آدم ، وقد قيل: المصروفون في الآية يهود ، وأنهم أسلموا ، وهم عند مشاهدتهم لا يتحولون ، فاذا مال بصركم عنهم تحولوا الى صورة أخرى ان شاءوا ، وذلك بقدر الله تعالى من الجن نعت نفر ، ومن للتبعيض ، أو متعلق بصرفنا ، ومن للإبتداء .