وعلى فرض أن أحدا لم يأت بخطيئة وأصابته مصيبة، فنقول له: إن هذا من باب امتحان الإنسان على الصبر، ورفع درجاته باحتساب الأجر، لكن لا يجوز للإنسان إذا أصيب بمصيبة، وهو يرى أنه لم يخطئ أن يقول: أنا لم أُخطيء، فهذه تزكية، فلو فرضنا أن أحدا لم يصب ذنبا وأصيب بمصيبة، فإن هذه المصيبة لا تلاقي ذنبا تكفره لكنها تلاقي قلبا تمحصه، فيبتلى الله الإنسان بالمصائب لينظر هل يصبر أم لا؟ ولهذا كان أخشى الناس لله -- عز وجل -- وأتقاهم a - صلى الله عليه وسلم -، يوعك كما يوعك رجلان منا (1) وذلك لينال أعلى درجات الصبر فينال مرتبة الصابرين على أعلى وجوهها، ولذلك شدد عليه - صلى الله عليه وسلم - عند النزع، ومع هذه الشدة كان ثابت القلب، ودخل عليه عبد الرحمن ابن أبي بكر وهو يستاك، فأمده بصره (يعني: ينظر إليه) فعرفت عائشة رضي الله عنها أنه يريد السواك، فقالت: آخذه لك؟ فأشار برأسه نعم، فأخذت السواك وقضمته وألانته للرسول - صلى الله عليه وسلم -، فأعطته إياه، فاستن به، قالت عائشة: ما رأيته استن استنانا أحسن منه، ثم رفع يده قال: (في الرفيق الأعلى) (2) .
فانظر إلى هذا الثبات واليقين والصبر العظيم مع هذه الشدة العظيمة، كل هذا لأجل أن يصل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعلى درجات الصابرين، صبر لله، وصبر بالله وصبر في الله حتى نال أعلى الدرجات.
فمن أصيب بمصيبة، فحدثته نفسه أن مصائبه أعظم من معائبه، فإنه يدل على ربه بعمله ويمن عليه به، فليحذر هذا.
ومن ذلك يتضح لنا أمران:
(1) البخاري: كتاب المرضى/باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، حديث (5648) ، ومسلم: كتاب البر والصلة /باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن، حديث (2571) .
(2) البخاري: كتاب المغازي /باب مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - ووفاته، حديث (4438) ، ومسلم: كتاب السلام / باب استحباب رقية المريض، حديث (2191) .