رابعا: أن الله -- سبحانه وتعالى -- حينما يذكر الحسب يخلصه لنفسه، قال تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا الله سَيُؤْتِينَا الله مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ } (لتوبة: 59) ففرق بين الحسب والإيتاء، وقال تعالى { قل حسبي الله عليه يتوكل المؤمنون } (الزمر: 38) فكما أن التوكل على غير الله لا يجوز، فكذلك الحسب لا يمكن أن يكون غير الله حسبا، فلو كان، لجاز التوكل عليه، ولكن الحسب هو الله ، وهو الذي عليه يتوكل المتوكلون.
خامسا: أن في قوله: { ومن اتبعك } ما يمنع أن يكون الصحابة حسبا للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وذلك لأنهم تابعون، فكيف يكون التابع حسبا للمتبوع؟ هذا لا يستقيم أبدا، فالصواب أنه معطوف على الكاف في قوله: { حسبك } ، أي: وحسب من أتبعك من المؤمنين، فتوكلوا عليه جميعا أنت ومن اتبعك.
(ف) : قال ابن القيم رحمه الله: وهذا خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده كالتوكل والتقوى والعبادة. قال الله تعالى: ' 8: 62 ' { وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين } ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى على أهل التوحيد من عباده حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: ' 3: 173 ' { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله. ونظير هذا قوله سبحانه: ' 9: 59 ' { وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون } .