(ق) : قوله في (عن النشرة) . أل للعهد الذهني؛ أي: المعروفة في الجاهلية التي كانوا يستعملونها في الجاهلية، وذلك عن طريق من طرق حل السحر، وهي على نوعين:
الأول: أن تكون باستخدام الشياطين، فإن كان لا يصل إلى حاجته منهم إلا بالشرك؛ كانت شركًا، وإن كان يتوصل لذلك بمعصية دون الشرك؛ كان لها حكم تلك المعصية.
الثاني: أن تكون بالسحر؛ كالأدوية والرقى والعقد والنفث وما أشبه ذلك؛ فهذا له حكم السحر على ما سبق.
ومن ذلك ما يفعله بعض الناس، أنهم يضعون فوق رأس المسحور طستًا فيه ماء ويصبون عليه رصاصًا ويزعمون أن الساحر يظهر وجهه في هذا الرصاص؛ فيستدل بذلك على من سحره، وقد سئل الإمام أحمد عن النشرة، فقال: إن بعض الناس أجازها، فقيل له: إنهم يجعلون ماء في طست، وإنه يغوص فيه، وإنه يبدو وجهه، فنفض يده وقال: ما أدري ما هذا؟ ما أدري ما هذا؟ فكأنه رحمه الله توقف في الأمر وكره الخوض فيه.
قوله: (من عمل الشيطان) ؛ أي: من العمل الذي يأمر به الشيطان ويوحي به؛ لأن الشيطان يأمر بالفحشاء ويوحي إلى أوليائه بالمنكر، وهذا يغني عن قوله: إنها حرام، بل هو أشد؛ لأن نسبتها للشيطان أبلغ في تقبيحها والتنفير منها، ودلالة النصوص على التحريم لا تنحصر في لفظ التحريم أو نفي الجواز، بل إذا رتبت العقوبات على الفعل كان دليلًا على تحريمه.
قوله: (رواه أحمد بسند جيد وأبو داود) . سند أبي داود إلى أحمد متصل؛ لأنه قد حدثه وأدركه.
قوله: (فقال: ابن مسعود يكره هذا كله) . أجاب رحمه الله بقول الصحابي، وكأنه ليس عنده أثر صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وإلا لاستدل به.
والمشار إليه في قوله: (يكره هذا كله) كل أنواع النشرة، وظاهره: ولو كانت على الوجه المباح على ما يأتي، لكنه غير مراد؛ لأن النشرة بالقرآن والتعوذات المشروعة لم يقل أحد بكراهته، وسبق أن ابن مسعود - رضي الله عنه - كان يكره تعليق التمائم من القرآن وغير القرآن.