قوله: (قالوا اليهود والنصارى) يجوز فيها وجهان:
الأول: نصب اليهود والنصارى على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره: أتعني اليهود والنصارى؟
الثاني: الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أهم اليهود والنصارى؟
وعلى كل تقدير؛ فالجملة إنشائية لأنهم يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فهي استفهامية، والاستفهام من باب الإنشاء.
واليهود: أتباع موسى عليه الصلاة والسلام، وسموا يهودا نسبة إلى يهوذا من أحفاد إسحاق، أو لأنهم هادوا إلى الله ؛ أي: رجعوا إليه بالتوبة من عبادة العجل.
والنصارى: هم أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام، وسموا بذلك نسبة إلى بلدة تسمى الناصرة، وقيل من النصرة؛ كما قال الله تعالى: { مَنْ أَنْصَارِي إلى الله } (الصف: من الآية14) .
قوله: (قال فمن) ، من هنا: اسم استفهام، والمراد به التقرير؛ أي: فمن أعني غير هؤلاء، أو فمن هم غير هؤلاء؟ فالصحابة رضي الله عنهم لما حدثهم - صلى الله عليه وسلم - بهذا الحديث كأنه حصل في نفوسهم بعض الغرابة، فلما سألوا قرر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم اليهود والنصارى.
(تم) : وجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة، بل عماد هذا الباب على هذا الحديث من أن كل كفر وشرك وقع في الأمم السالفة، فسيقع في هذه الأمة، فإن الأمم السالفة عبدت الأوثان، وكفرت بالله -جل وعلا- وسيقع في هذه الأمة، من يعبد الأوثان، ومن يكفر بالله -جل وعلا- في الربوبية وفي الإلهية، وفي الأسماء والصفات، وفي أفعال الله -جل وعلا-وفي الحكم والتحاكم، وهكذا في أنواع كثيرة مما حصل فيمن قبلنا، حتى في أمور السلوك والبدع، بل حتى في أمور الأخلاق والعادات التي قد تتصل بالدين، فإنه سلكت هذه الأمة مسلك الأمم قبلها مخالفة نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - -
(ق) : من فوائد الحديث:
1.ما أراده المؤلف بسياقه، وهو أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان؛ لأنه من سنن من قبلنا، وقد اخبر - صلى الله عليه وسلم - أننا سنتبعهم.