قوله: (ما حق الله على العباد؟) ، أي: ما أوجبه عليهم، وما يجب أن يعاملوه به، وألقاه على معاذ بصيغة السؤال؛ ليكون أشد حضورًا لقلبه حتى يفهم ما يقول - صلى الله عليه وسلم -.
قوله (وما حق العباد على الله ؟) ، أي: ما يجب أن يعاملهم به، والعباد لم يوجبوا شيئًا، بل الله أوجبه على نفسه فضلًا منه على عباده، قال تعالى: { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيم } (الأنعام: من الآية54) .فأوجب سبحانه على نفسه أن يرحم من عمل سوءًا بجهالة؛ أي: بسفه وعدم حسن تصرف ثم تاب من بعد ذلك وأصلح.
ومعنى كتب؛ أي: أوجب.
(تم) : ثم قال: (وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا ) قوله (حق العباد على الله ) ، معناه أن هذا حق أحقه الله على نفسه باتفاق أهل العلم، وأوجبه على نفسه كما في بعض أقوالهم، كما قاله الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله -.
وهل ذلك الحق المذكور في قوله ( حق العباد على الله ) هل هو واجب أم لا؟ نقول: نعم هو حق واجب، لكن بإيجاب الله ذلك الحق على نفسه، والله -جل وعلا- يحرم على نفسه ما يشاء بما يوافق حكمته، ويوجب على نفسه ما يشاء بما يوافق حكمته فكما أن الله حرم الظلم على نفسه كما في قوله (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ) .
كذلك أوجب على نفسه أشياء، لكن بعض أهل العلم تحاشى إطلاق لفظ الإيجاب على الله ، وقال: يعبر عن ذلك بأنه حق، يتفضل به، سبحانه على من يشاء فهو حق تفضل لا حق إيجاب، بمتعين ؛ لأن الحق الواجب هو الذي أوجبه الله على نفسه، والعباد لا يوجبون على الله -جل وعلا- شيئا من الحقوق، بل هو الذي أوجبه -جل وعلا- على نفسه ؛ وتفضل على عباده، والله -- جل جلاله -- لا يخلف الميعاد.