قوله: (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ، الجملة هذه تعليل لقوله: (لعنة الله على اليهود والنصارى) ، كأن قائلا يقول: لماذا لعنهم النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فكان الجواب: أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ أي: أمكنة للسجود، سواء بنوا مساجد أم لا، يصلون ويعبدون الله تعالى فيها مع أنها مبنية على القبور.
(ف) : قوله: يحذر ما صنعوا الظاهر أن هذا كلام عائشة رضي الله عنها لأنها فهمت من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك تحذير أمته من هذا الصنيع الذي كانت تفعله اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم، فإنه من الغلو في الأنبياء، ومن أعظم الوسائل إلى الشرك. ومن غربة الإسلام أن هذا الذي لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعليه - تحذيرًا لأمته أن يفعلوه معه - صلى الله عليه وسلم - ومع الصالحين من أمته - قد فعله الخلق الكثير من متأخري هذه الأمة، واعتقدوه قربة من القربات، وهو من أعظم السيئات والمنكرات، وما شعروا أن ذلك محادة لله ورسوله.
قال القرطبي في معنى الحديث: وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام. انتهى.
إذ لا فرق بين عبادة القبر ومن فيه وعبادة الصنم، وتأمل قول الله تعالى عن نبيه يوسف ابن يعقوب حيث قال: ' 12: 28 '"واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء"نكرة في سياق النفي تعم كل شرك.
(ق) : قوله: (ولولا ذلك أبرز قبره) ، أبرز؛ أي: أخرج من بيته؛ لأن البروز معناه الظهور، أي لولا التحذير وخوف أن يتخذ قبره مسجدا؛ لأخرج ودفن في البقيع مثلا، لكنه في بيته أصون له، وأبعد عن اتخاذه مسجدا؛ فلهذا لم يبرز قبره، وهذا أحد الأسباب التي أوجبت أن لا يبرز مكان قبره - صلى الله عليه وسلم -.