ومن أسباب ذلك: إخباره - صلى الله عليه وسلم - انه ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض (1) ، ولا مانع أن يكون للحكم الواحد سببان فأكثر، كما أن السبب الواحد قد يترتب عليه حكمان أو أكثر؛ كغروب الشمس يترتب عليه جواز إفطار الصائم، وصلاة المغرب.
قوله: (غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا) ، خشي فيها روايتان: خشي وخشي (2) .
فعلى رواية خشي يكون الذي وقعت منهم الخشية الصحابة رضي الله عنهم وعلى رواية خشي يكون الذي وقعت منه الخشية النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والحقيقة أن الأمر كله حاصل؛ فالرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبر بأنه ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض، ولعن اليهود والنصارى لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد خوفا من اتخاذ قبره مسجدا، والصحابة رضي الله عنهم اتفقوا على أن يدفن - صلى الله عليه وسلم - في بيته بعد تشاورهم لأنهم خشوا ذلك.
ويجوز أن يكون بعضهم أشار بأن يدفن في بيته، وليس في ذهنه إلا هذه الخشية، وبعضهم أشار أن يدفن في بيته وعنده علم بأنه - صلى الله عليه وسلم - قال (ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض) ، وخوفا من اتخاذه مسجدا.
في هذا الحديث والحديث السابق: التحذير من اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، وهم أفضل الصالحين؛ لأن مرتبة النبيين هي المرتبة الأولى من المراتب الأربع التي قال الله تعالى عنها: { وَمَنْ يُطِعِ الله وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } (النساء: 69) .
اعتراض وجوابه:
(1) مسند الإمام أحمد (1/7) ، والترمذي: كتاب الجنائز /حديث (1018) وابن ماجة (1628) ، وقال الشيخ الألباني (( حديث ثابت بما له من الطرق والشواهد ) ).
(2) البخاري: كتاب الجنائز / باب ما جاء في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، حديث (1390) .