فسبب وقوع الشرك في قوم نوح هو الغلو في الصالحين، كما قال ابن عباس هنا في بيان أصل وقوع هذا الشرك.
(ق) : قوله: { وقالوا } ، أي: قال بعضهم لبعض.
قوله: { لا تذرن } ، أي: لا تدعن وتتركن، وهذا نهي مؤكد بالنون.
قوله: { آلهتكم } ، هل المراد: لا تذروا عبادتها أو تمكنوا أحدًا من إهانتها؟
الجواب: المعنيان؛ أي: انتصروا لآلهتكم، ولا تمكنوا أحدًا من إهانتها، ولا تدعوها للناس، ولا تدعوا عبادتها أيضًا، بل احرصوا عليها، وهذا من التواصي بالباطل عكس الذين آمنوا وعملوا الصالحات يتواصون بالحق.
قوله: { ولا سواعًا } ، لا: زائدة للتوكيد، مثلها في قوله تعالى: { ولا الضالين } (الفاتحة: 7) ، وفائدتها أنهم جعلوا مدخولها كالمستقل، بخلاف يعوق ونسر؛ فهما دون مرتبة من سبقهما.
قوله تعالى: { وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } (نوح: من الآية23) ، هذه الخمسة كأن لها مزية على غيرها؛ لأن قوله: { آلهتكم } عام يشمل كل ما يعبدون، وكأنها كبار آلهتهم؛ فخصوها بالذكر.
والآلهة: جمع إله، وهو كل ما عبد، سواء بحق أو بباطل، لكن إذا كان المعبود هو الله ؛ فهو حق، وإن كان غير الله ؛ فهو باطل.
قال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: (هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح) .
وفي هذا التفسير إشكال، حيث قال: (هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح) ، وظاهر القرآن أنها قبل نوح، قال تعالى: { قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا - وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ } (نوح: 21-23) ؛ ظاهر الآية الكريمة: أن قوم نوح كانوا يعبدونها، ثم نهاهم نوح عن عبادتها، وأمرهم بعبادة الله وحده، ولكنهم أبوا وقالوا: { لا تذرن آلهتكم } ، وهذا (أعني: القول بأنهم قبل نوح) قول a بن كعب ومحمد بن قيس، وهو الراجح لموافقته ظاهر القرآن.