النوع الأول: الشفاعة العظمى، وهي من المقام المحمود الذي وعده الله ، فإن الناس يلحقهم يوم القيامة في ذلك الموقف العظيم من الغم والكرب ما لا يطيقونه، فيقول بعضهم لبعض: اطلبوا من يشفع لنا عند الله ، فيذهبون إلى آدم أبي البشر، فيذكرون من أوصافه التي ميزه الله بها: أن الله خلقه بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، فيقولون: اشفع لنا عند ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟! فيعتذر لأنه عصى الله بأكله من الشجرة، ومعلوم أن الشافع إذا كان عنده شيء يخدش كرامته عند المشفوع إليه، فإنه لا يشفع لخجله من ذلك، مع أن آدم - عليه السلام - قد تاب الله عليه واجتباه وهداه، قال تعالى: { وعصى آدم ربه فغوى - ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } [طه: 121، 122] ، لكن لقوة حيائه من الله اعتذر. ثم يذهبون إلى نوح، ويذكرون من أوصافه التي امتاز بها بأنه أول رسول أرسله الله إلى الأرض، فيعتذر بأنه سأل الله ما ليس له به علم حين قال: { رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين } [هود: 45] . ثم يذهبون إلى إبراهيم - عليه السلام -، فيذكرون من صفاته، ثم يعتذر بأنه كذب ثلاث كذبات، لكنها حق حسب مراده، ثم يذهبون إلى موسى - عليه السلام - فيذكرون أوصافه ما يقتضي أن يشفع، لكنه يعتذر بقتل القبطي حين استغاثه الإسرائيلي، فوكز موسى القبطي فقتله فقضى عليه، ثم يذهبون إلى عيسى عليه الصلاة والسلام، فيذكرون من أوصافه ما يقتضي أن يشفع، فلا يعتذر بشيء، لكن يحيل إلى من هو أعلى مقامًا، فيقول: اذهبوا إلى a، عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيحيلهم إلى a - صلى الله عليه وسلم - دون أن يذكر عذرًا يحول بينه وبين الشفاعة (1) ، فيأتون محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، فيشفع إلى الله ليريح أهل
(1) البخاري: كتاب التفسير /باب (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبد شكورا) حديث (4712) ، ومسلم: كتاب الإيمان /باب أدنى أهل الجنة منزلة حديث (193) .