فهذا كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - لأقاربه الأقربين: عمه، وعمته، وابنته، فما بالك بمن هم أبعد؟! فعدم إغنائه عنهم شيئًا من باب أولى، فهؤلاء الذين يتعلقون بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ويلوذون به ويستجيرون به الموجودون في هذا الزمن وقبله قد غرهم الشيطان واجتالهم عن طريق الحق، لأنهم تعلقوا بما ليس بمتعلق، إذ الذي ينفع بالنسبة للرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الإيمان به واتباعه. أما دعاؤه والتعلق به ورجاؤه فيما يؤمل، وخشيته فيما يخاف منه، فهذا شرك بالله، وهو مما يبعد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وعن النجاة من عذاب الله . ففي الحديث امتثال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربه في قوله تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين } [الشعراء: 214] ، فإنه قام بهذا الأمر أتم القيام، فدعا وعم وخصص، وبيَّن أنه لا ينجي أحدًا من عذاب الله بأي وسيلة، بل الذي ينجي هو الإيمان به واتباع ما جاء به. وإذا كان القرب من النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يغني عن القريب شيئًا، دل ذلك على منع التوسل بجاه النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأن جاه النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينتفع به إلا النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا كان أصح قولي أهل العلم تحريم التوسل بجاه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(ف) : وفيه: أنه لا يجوز أن يسأل العبد إلا ما يقدر عليه من أمور الدنيا. وأما الرحمة والمغفرة والجنة والنجاة من النار ونحو ذلك من كل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فلا يجوز أن يطلب إلا منه تعالى، فإن ما عند الله لا ينال إلا بتجريد التوحيد، والإخلاص له بما شرعه ورضيه لعباده أن يتقربوا إليه به، فإذا كان لا ينفع بنته ولا عمه ولا عمته ولا قرابته إلا ذلك، فغيرهم أولى وأحرى. وفي قصة عمه أبي طالب معتبر.