وقوله: { لِيَعْبُدُونِ } هذه اللام هذه تسمى لام التعليل، ولام التعليل هذه قد يكون معناها إما تعليل غاية، أو تعليل علة. فتعليل الغاية: يكون ما بعدها مطلوبا لكن قد يكون، وقد لا يكون، يعني: هذه الغاية ويسميها بعض العلماء لام الحكمة، وفرق بين العلة والحكمة يوضحه إذا قيل: ما الحكمة من خلق الجن والإنس؟ فالجواب: أن يعبدوا الله وحده دون ما سواه فهذا التعليل لقوله { إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } هو تعليل غاية ولو سألت شخصًا مثلا: لم أحضرت الكتاب؟ قال لك: أحضرته لأقرأ،كانت علة الإحضار أو الحكمة من الإحضار القراءة، فقد يقرأ، وقد لا يقرأ بخلاف اللام التي يكون معناها العلة وهي التي يترتب عليها معلولها، والتي يقول العلماء في نحوها: الحكم دائر مع علته وجودا وعدما.
فتلك هي علة القياس التي لا يتخلف فيها المعلول عن العلة، فتكون اللام هنا: علة الغاية ؛ لأن من الخلق من أوجد وخلقه الله -جل وعلا- لكن عبد غيره.
ولام الحكمة شرعية، ويكون ما بعدها مطلوبا شرعا، وقد قال جل وعلا هنا: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } (الذاريات: 56) فنفهم من هذا أن هذه الآية دالة على التوحيد من جهة أن الغاية من الخلق هو التوحيد، والعبادة هنا هي التوحيد.
(ق) : ولهذا أعطى الله البشر عقولًا، وأرسل إليهم رسلًا، وأنزل عليهم كتبًا، ولو كان الغرض من خلقهم كالغرض من خلق البهائم؛ لضاعت الحكمة من إرسال الرسل، وإنزال الكتب؛ لأنه في النهاية يكون كشجرة نبتت، ونمت، وتحطمت، ولهذا قال تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) [القصص: 85] ؛ فلابد أن يردك إلى معادٍ تجازى على عملك إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
(ف) : قال شيخ الإسلام: العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمر الله به على ألسنة الرسل.
وقال أيضًا: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.