وقال آخرون: قد جاءت أدلة بأنه يستعاذ بالمخلوق فيما يقدر عليه؛ لأن حقيقة الاستعاذة طلب انكفاف الشر، وطلب العياذ، وهو أن يستعيذ من شر أحدق به، وإذا كان كذلك فقد يملك المخلوق شيئا من ذلك. وعلى هذا فتكون الاستعاذة بغير الله شركا أكبر إذا كان ذلك المخلوق لا يقدر على أن يعيذ، أو طُلِبتْ منه الإعاذة فيما لايقدر عليه إلا الله جل وعلا.
والذي يظهر أن المقام كما سبق فيه تفصيل؛ وهو أن الاستعاذة فيها عمل ظاهر؛ وفيها عمل باطن، فالعمل الظاهر أن يطلب العوذ، وأن يطلب العياذ، وهو أن يُعْصَم من هذا الشر، أو أن ينجو من هذا الشر، وفيها أيضًا عمل باطن، وهو توجه القلب وسكينته واضطراره، وحاجته إلى هذا المُسْتَعَاذ به، واعتصامه بهذا المستعاذ به وتفويض أمر نجاته إليه.
فإذا كانت الاستعاذة تجمع هذين النوعين فيصح أن يقال إن الاستعاذة لا تصلح إلا بالله، لأن منهما ما هو عمل قلبي كما تقدم وهو بالاجماع لايصلح التوجه به إلا لله.
وإذا قصد بالاستعاذة العمل الظاهر فقط وهوطلب العياذ والملجأ فيجوز أن يتوجه بها إلى المخلوق، وعلى هذا يحمل الدليل الوارد في جوازها.
فحقيقة الاستعاذة إذًا تجمع بين الطلب الظاهر، والمعنى الباطن. ولهذا اختلف أهل العلم في جواز طلبها من المخلوق، فالذي ينبغي أن يكون منك دائما على ذِكْرٍ: أنَّ توجُّهَ أهل العبادات الشركية لمن يشركون به من الأولياء، أو الجن، أو الصالحين أو الطالحين، أو غيرهم أنهم جمعوا بين القول باللسان، وأعمال القلوب التي لا تصلح إلا لله جل وعلا.
وبهذا يبطل ما يقوله أولئك الخرافيون من أن الاستعاذة بهم إنما هي فيما يقدرون عليه، وأن الله أقدرهم على ذلك، فيكون إبطال مقالهم راجعًا إلى جهتين: