فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 1408

التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصًا من شرهم، هذه المسألة ليست مسلمة، فإن قوله: قرب ولو ذبابًا يقتضي أنه فعله قاصدًا التقرب، أما لو فعله تخلصًا من شرهم، فإنه لا يكفر لعدم قصد التقرب، ولهذا قال الفقهاء: لو أكره على طلاق امرأته فطلق تبعًا لقول المكره، لم يقع الطلاق، بخلاف ما لو نوى الطلاق، فإن الطلاق يقع، وإن طلق دفعًا للإكراه، لم يقع، وهذا حق لقوله - صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات" (1) .

وظاهر القصة أن الرجل ذبح بنية التقرب، لأن الأصل أن الفعل المبني على طلب يكون موافقًا لهذا الطلب.

ونحن نرى خلاف ما يرى المؤلف رحمه الله ، أي أنه لو فعله بقصد التخلص ولم ينو التقرب لهذا الصنم لا يكفر، لعموم قوله تعالى: { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا } [النحل: 106] وهذا الذي فعل ما يوجب الكفر تخلصًا مطمئن قلبه بالإيمان.

والصواب أيضًا: أنه لا فرق بين القول المكره عليه والفعل، وإن كان بعض العلماء يفرق ويقول: إذا أكره على القول لم يكفر، وإذا أكره على الفعل كفر، ويستدل بقصة الذباب، وقصة الذباب فيها نظر من حيث صحتها، وفيها نظر من حيث الدلالة، لما سبق أن الفعل المبني على طلب يكون موافقًا لهذا الطلب.

ولو فرض أن الرجل تقرب بالذباب تخلصًا من شرهم، فإن لدينا: نصًا محكمًا في الموضوع، وهو قوله تعالى: { من كفر بالله... } [النحل: 106] الآية، ولم يقل: بالقول، فما دام عندنا نص قرآني صحيح، فإنه لو وردت السنة صحيحة على وجه مشتبه، فإنها تحمل على النص المحكم.

والخلاصة أن من أكره على الكفر، لم يكن كافرًا ما دام قلبه مطمئنًا بالإيمان ولم يشرح بالكفر صدرًا.

(1) البخاري: كتاب بدء الوحي /باب كيف كان بدء الوحي، ومسلم: كتاب الإمارة /باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت