وفيه وجه آخر للدلالة وهو أنه إذا كان تقريب هذا الذي لا قيمة له -وهو الذباب- سببًا في دخول النار فإنه يدل على أن من قرَّب ما هو أبلغ وأعظم منفعة، عند أهله، وأغلى أنه سبب أعظم لدخول النار، وقولهم هنا:"قرِّب"يعني: اذبح تقربا، والملاحظ هنا في هذا الحديث إنه لم يدل على أنهم أكرهوه على هذا الفعل؛ لأنه قال: (مر رجلان على قوم لهم صنم، لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا) فظاهر قوله: (لا يجوزه أحد) يعني: أنهم لا يأذنون لأحد بمجاوزته عن ذلك الطريق حتى يقرب، وهذا ليس إكراها، إذ يمكن أن يقول: سأرجع من حيث أتيت، ولا يجوز ذلك الموضع، ويتخلص من آذاهم.
فهذا يدل على أن الإكراه بالفعل لم يحصل من أولئك، فلا يدخل هذا في قوله: { إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } (النحل: من الآية106) ؛ لأنه ليس في الحديث دلالة -كما هو ظاهر- على حصول الإكراه، وإنما قال: (مر رجلان على قوم لهم صنم، لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا) فما صفة عدم السماح، بعدم المجاوزة، هل هي أنه لا يجوزه حتى يقتل، أو يقرب؟ أو لا يجوزه حتى يقرب، أو يرجع؟
استظهر بعض العلماء من قتلهم لأحد الرجلين أن المعنى أنه لا يجوزه حتى يقرب أو يقتل، وأن هذا علم بالسياق، فصار ذلك نوع إكراه؛ فلهذا استشكلوا كون هذا الحديث دالا على أن من فعل هذا الفعل يدخل النار مع أنه مكره.
والجواب عن هذا الإشكال: أن هذا الحديث على هذا القول، وما فيه من عدم إعذار المكره ولو بالقتل كان في شرع من قبلنا أما رفع الإكراه أو جواز قول كلمة الكفر، أو عمل الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان، فهذا خاص بهذه الأمة، هذا ما أجاب به بعض أهل العلم.
وعلى القول الاول الذي قدمناه وهو أن السياق ليس فيه ما يعين أنهم هددوه بالقتل، فيكون الحديث مجملًا فكيف يحمل الحديث على شيءٍ مجمل لم يعين.