(ق) : وقوله:"لعن"يحتمل أن يكون الجملة خبرية، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخبر أن الله لعن من ذبح لغير الله ، ويحتمل أن تكون إنشائية بلفظ الخبر، أي: اللهم العن من ذبح لغير الله ، والخبر أبلغ، لأن الدعاء قد يستجاب، وقد لا يستجاب.
قوله:"والديه"، يشمل الأب والأم، ومن فوقهما، لأن الجد أب، كما أن أولاد الابن والبنت أبناء في وجوب الاحترام لأصولهم. والمسألة هنا ليست مالية، بل هي من الحقوق، ولعن الأدنى أشد من لعن الأعلى، لأنه أولى بالبر، ولعنه ينافي البر.
قوله:"من لعن والديه"، أي: سبهما وشتمهما، فاللعن من الإنسان السب والشتم، فإذا سببت إنسانًا أو شتمته، فهذا لعنه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له: كيف يلعن الرجل والديه؟ قال:"يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" (1) . وأخذ الفقهاء من هذا الحديث قاعدة، وهي: أن السبب بمنزلة المباشرة في الإثم، وإن كان يخالفه في الضمان على تفصيل في ذلك عند أهل العلم.
قوله:"من آوى محدثًا"، أي: ضمه إليه وحماه، والإحداث: يشمل الإحداث في الدين، كالبدع التي أحدثها الجهمية والمعتزلة، وغيرهم. والإحداث في الأمر: أي في شؤون الأمة، كالجرائم وشبهها، فمن آوى محدثًا، فهو ملعون، وكذا من ناصرهم، لأن الإيواء أن تأويه لكف الأذى عنه، فمن ناصره، فهو أشد وأعظم. والمحدث أشد منه، لأنه إذا كان إيواؤه سببًا للعنة، فإن نفس فعله جرم أعظم. ففيه التحذير من البدع والإحداث في الدين، قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"، وظاهر الحديث: ولو كان أمرًا يسيرًا.
(ف) : قال ابن القيم رحمه الله تعالى: هذه الكبيرة تختلف مراتبها باختلاف مراتب الحدث في نفسه فكلما كان الحدث في نفسه أكبر كانت الكبيرة أعظم.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الأدب (باب لا يسب الرجل والديه، حديث(5973) ، ومسلم كتاب الإيمان باب بيان الكبائر أكبرها حديث (90) .