وتحقيق المقام أن التبرك بالشجر أو بالحجر أو بالقبر أو ببقاع مختلفة قد يكون شركا أكبر، وقد يكون شركا أصغر. فيكون شركا أكبر: إذا طلب بركتها معتقدا أنه بتمسحه بهذا الشجر أو الحجر أو القبر أو تمرغه عليه أو التصاقه به يتوسط له عند الله ، فإذا اعتقد فيه أنه وسيلة إلى الله فهذا اتخاذ إله مع الله -جل وعلا- وشرك أكبر، وهذا هو الذي كان يعتقده أهل الجاهلية بالأشجار والأحجار التي يعبدونها وفي القبور التي يتبركون بها يعتقدون أنهم إذا عكفوا عندها وتمسحوا بها أو نثروا ترابها على رؤسهم فإن هذه البقعة أو صاحب هذه البقعة أو الروحانية وهي الروح التي تخدم هذه البقعة أنه يتوسط له عند الله -جل وعلا- فهذا الفعل -إذًا- راجع إلى اتخاذ أنداد مع الله -جل وعلا- وقد قال سبحانه: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلى الله زُلْفَى } (الزمر: من الآية3) .
ويكون التبرك شركا أصغر إذا كان يتخذ هذا التبرك بنثر التراب عليه أو إلصاق الجسم به أو التبرك بعين ونحوها، أسبابًا لحصول البركة بدون اعتقاد أنها توصل وتقرب إلى الله يعني: أنه جعلها أسبابًا فقط كما يفعل لابُس التميمة أو الحلقة أو الخيط فكذلك هذا المتبرك يجعل تلك الأشياء أسبابًا، فإذا أخذ - من هذه حالُهُ- تراب القبر ونثره عليه لاعتقاده أن هذا التراب مبارك وإذا لامس جسمه فإن جسمه يتبارك به أي من جهة السببية فهذا شرك أصغر؛ لأنه لا يكون عبادة لغير الله جل علا وإنما اعتقد ما ليس سببا مأذونا به شرعا سببا، وأما إذا تمسح بها كما هي الحال الأولى وتمرغ والتصق بها لتوصله إلى الله -جل وعلا- فهذا شرك أكبر مخرج من الملة.
ولهذا قال الشيخ سليمان كما تقدم: إن كان التبرك شركا أكبر فظاهر في الاستدلال بالآية وإن كان شركا أصغر فالسلف يستدلون بما نزل في الأكبر على ما يريدون من الاستدلال في مسائل الشرك الأصغر?