ولا شك أن هؤلاء هم الذين آمنوا بالله إيمانًا حقيقيًا، وآمنوا بحكمته، حيث ربطوا الأسباب بمسبباتها، والعلل بمعلولاتها، وهذا من تمام الحكمة. ولبس الحلقة ونحوها إن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله ، فهو مشرك شركًا أكبر في توحيد الربوبية، لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا غيره. وإن اعتقد أنها سبب، ولكنه ليس مؤثرًا بنفسه، فهو مشرك شركًا أصغر لأنه لما اعتقد أن ما ليس بسب سببًا فقد شارك الله تعالى في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سببًا. وطريق العلم بأن الشيء سبب، إما عن طريق الشرع، وذلك كالعسل { فيه شفاء للناس } [النحل: 69] ، وكقراءة القرآن فيها شفاء للناس، قال الله تعالى: { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } [الإسراء: 82] . وإما عن طريق القدر، كما إذا جربنا هذا الشيء فوجدناه نافعًا في هذا الألم أو المرض، ولكن لا بد أن يكون أثره ظاهرًا مباشرًا كما لو اكتوى بالنار فبرئ بذلك مثلًا، فهذا سبب ظاهر بين، وإنما قلنا هذا لئلا يقول قائل: أن جربت هذا وانتفعت به، وهو لم يكن مباشرًا، كالحلقة، فقد يلبسها إنسان وهو يعتقد أنها نافعة، فينتفع لأن للانفعال النفسي للشيء أثرًا بينًا، فقد يقرأ إنسان على مريض فلا يرتاح له، ثم يأتي آخر يعتقد أن قراءته نافعة، فيقرأ عليه الآية نفسها فيرتاح له ويشعر بخفة الألم، كذلك الذين يلبسون الحلق ويربطون الخيوط، قد يحسون بخفة الألم أو اندفاعه أو ارتفاعه بناءً على اعتقادهم نفعها. وخفة الألم لمن اعتقد نفع تلك الحلقة مجرد شعور نفسي، والشعور النفسي ليس طريقًا شرعيًا لإثبات الأسباب، كما أن الإلهام ليس طريقًا للتشريع.