قال إبراهيم التيمي-رحمه الله من سادات التابعين- لما تلا هذه الآية قال:"ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم" (1) ، إذا كان إبراهيم -- عليه السلام -- هو الذي حقق التوحيد، وهو الذي وصف بما وصف به، وهو الذي كسَّر الأصنام بيده، يخاف من الفتنة بها فمن يأمن البلاء بعده؟
إذا ما ثم إلا غرور أهل الغرور. والمقصود أن هذا يوجب الخوف الشديد من الشرك؛ لأن إبراهيم (- عليه السلام -) مع كونه سيد المحققين للتوحيد في زمانه بل وبعد زمانه إلى نبينا - صلى الله عليه وسلم - ما أعطي الضمان والأمان من الوقوع في الشرك، وألا يزيغ قلبه، وكذلك الحال مع نبينا a - صلى الله عليه وسلم -.
(ف) : فلا يأمن الوقوع في الشرك إلا من هو جاهل به وبما يخلصه منه: من العلم بالله وبما بعث به رسوله من توحيده، والنهي عن الشرك به (2)
(1) أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (5/46) .
(2) في قرة العيون: فإذا كان الخليل إمام الحنفاء الذي جعله الله أمة واحدة، وابتلاه بكلمات فأتمهن، وقال {وإبراهيم الذي وفى} (النجم: 37) وأمر بذبح ولده فامتثل أمر ربه، وكسر الأصنام واشتد نكيره على أهل الشرك، ومع ذلك يخاف أن يقع في الشرك الذي هو عبادة الأصنام، لعلمه أنه لا يصرفه عنه إلا الله بهدايته وتوفيقه، لا بحوله وقوته.
فهذا أمر لا يؤمن الوقوع فيه، فقد وقع فيه من هذه الأمة بعد القرون المفضلة فاتخذت الأصنام وعبدت، فالذي خافه الخليل - عليه السلام - على نفسه وبنيه وقع فيه أكثر الأمة بعد القرون المفضلة، فبنيت المساجد والمشاهد على القبور، وصرفت لها العبادات بأنواعها، واتخذ ذلك دينًا، وهي أوثان وأصنام كأصنام نوح واللات والعزى ومناة وأصنام العرب وغيرهم، فما أشبه ما وقع في آخر هذه الأمة بحال أهل الجاهلية من مشركي العرب وغيرهم، بل وقع ما هو أعظم من الشرك في الربوبية مما يطول عده، فذكر - عليه السلام - السبب الذي أوجب الخوف عليه وعلى ذريته بقوله { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ } (إبراهيم: 36) وقد ضلت الأمم بعبادة الأصنام في زمن الخليل وقبله وبعده. فمن تدب القرآن عرف أحوال الخلق وما وقعوا فيه من الشرك العظيم الذي بعث الله أنبياءه ورسله بالنهي عنه والوعيد على فعله، والثواب على تركه.وقد هلك من هلك باعراضه عن القرآن، وجهله بما أمر الله به ونهى عنه.نسأل الله الثبات على الإسلام والاستقامة على ذلك إلى أن نلقى الله على التوحيد إنه ولي ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوة بالله إ لا بالله العلي العظيم، وقال تعالى عن عيسى: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [المائدة: 118] رد أمرهم إلى الله كما رده a - عليه السلام -، وقد بين الله تعالى فيما أنزله على نبيه a - صلى الله عليه وسلم - حكمه في أهل الشرك بأنه لا يغفره لهم فلا معارضة، وقد بين حكمه فيهم في هذا الكتاب العزيز الذي { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [فصلت: 42] . فإن أكثر الناس يعتقدون أن الأقطاب الأربعة وعلى رأسهم القطب الغوث يتصرفون في الكون بالإحياء والإماتة والرزق والضر والنفع: وأن مجلس أوليائهم تعرض عليه شؤون العالم.إقرأ كتاب الشعراني و"الابريز"للدباغ وكتب التيجانية وغيرها من كتب أولئك الضالين المضلين، تجد الشرك الذي ما كان يخطر على بال أبي جهل وإخوانه، لانهم لم يكونوا بوقاحة هؤلاء وفجورهم.