قوله: (فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم -) . ولولا ما بعدها لاحتملت أن تكون إنكارا، لأن من حدثك بحديث لا تطمئن إليه ضحكت منه، لكنه قال: (تصديقا لقول الحبر) فكانت إقرارا لا غير، ويدل ذلك قوله: ثم قرأ: { وما قدروا الله حق قدره... } الآية، فهذا يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - أقره واستشهد لقوله بآية من كتاب الله ، فضحكه وإستشهاده تقرير لقول الحبر، وسبب الضحك هو سروره، حيث جاء في القرآن ما يصدق ما وجده هذا الحبر في كتبه، لأنه لا شك أنه إذا جاء ما يصدق القرآن، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سوف يسر به، وإن كان الرسول يعلم علم اليقين أن القرآن من عند الله ، لكن تضافر البينات مما يقوي الشيء، أرأيت أسامة بن زيد وأبوه زيد بن الحارثة؟ هل كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - شك في أن أسامة ابنٌ لزيد؟
الجواب: ليس عنده شك في ذلك، ولما مر بهما مجزز المدلجي - وهو من أهل القيافة - وقد تغطيا بقطيفة لم يبد منهما إلا أقدامهما، فنظر إلى أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - سرورا عظيما حتى دخل على عائشة مسرورا تبرق أسارير وجهه،
وقال: (ألم ترى أنه مجززًا المدلجي دخل فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة، قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: أن هذه الأقدام بعضها من بعض(1) ، فالمهم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دخل تبرق أسارير وجهه، لأن في ذلك تأييدا للحق، وكان المشركون يقدحون في أسامة بن زيد وأبيه لاختلاف ألوانهما، فكان أسامة أسود شديد السواد وأبوه زيد شديد البياض، لكن الأمر ليس كما قالوا، بل هم كاذبون في ذلك، واختلاف اللون لا يوجب شبهة إلا لذي هوى، فلعل المخالف في اللون نزعة عرق.
(1) البخاري: كتاب الفرائض/باب القائف، حديث (6770) ، ومسلم: كتاب الرضاع /باب العمل بإلحاق القائف بالولد، حديث (1459) .