ثم ابتلاه الله - - سبحانه وتعالى - - بالأمر بذبح ابنه، وهو وحيده، وقد بلغ معه السعي (أي: شب وترعرع) ؛ فليس كبيرًا قد طابت النفس منه، ولا صغيرًا لم تتعلق به النفس كثيرًا، فصار على منتهى تعلق النفس به.
ثم وفق إلى ابن بار مطيع لله، قال الله تعالى عنه: { قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين } [الصافات: 102] ، لم يحنث والده ويتمرد ويهرب، بل أراد من والده أن يوافق أمر ربه، وهذا من بره بأبيه وطاعته لمولاه - سبحانه وتعالى -، وأنظر إلى هذه القوة العظيمة مع الاعتماد على الله في قوله: { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } .
فالسين في قوله: { ستجدني } تدل على التحقيق، وهو مع ذلك لم يعتمد على نفسه، بل استعان بالله في قوله: { إن شاء الله } .
وامتثلا جميعًا وأسلما، وانقادًا لله - - عز وجل - -، وتله للجبين؛ أي: على الجبين، أي جبهته؛ لأجل أن يذبحه وهو لا يرى وجهه، فجاء الفرج من الله تعالى: { وناديناه أن يا إبراهيم - قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين } [الصافات: 104- 105] ، ولا يصح ما ذكره بعضهم من أن السكين انقلبت، أو أن رقبته صارت حديدًا، ونحو ذلك.
قوله: { قانتًا } ، القنوت: دوام الطاعة، والاستمرار فيها على كل حال؛ فهو مطيع لله، ثابت على طاعته، مديم لها في كل حال. كما أن ابنه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه (1) : إن قام ذكر الله ، وإن جلس ذكره، وإن نام، وإن أكل، وإن قضى حاجته ذكر الله ؛ فهو قانت آناء الليل والنهار.
قوله: { حنيفًا } ، أي: مائلًا عن الشرك، مجانبًا لكل ما يخالف الطاعة، فوصف بالإثبات والنفي، أي: بالوصفين الإيجابي والسلبي.
(1) مسلم: كتاب الحيض/ باب ذكر الله تعالى حال الجنابة.