لذا حرص العلماء على تعلم الفقه وتعليمه حيث لقي رواجًا واسعًا، ونشأت عنه مدارس متعددة.
وقد مر فقهنا الإسلامي الشامخ بمراحل متعددة من التدوين، وحاز قصب السبق في هذا الميدان مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان [1] على يد
(1) هو: النعمان بن ثابت، التيمي بالولاء، الكوفي، أبو حنيفة، إمام الحنفية، الفقيه المجتهد المحقق، أحد الأئمة الأربعة، وُلِدَ عام 80 هـ. بالكوفة في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، ونشأ في أسرة صالحة غنية، وهو فارسي الأصل، أسلم جده زُوطى في عهد الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، حفظ القرآن في صغره، كان حسن الوجه، حسن الثياب، حسن المنطق، حلو النغمة، قوي الحجة، شديد الذكاء، شديد الكرم، طويل الصمت، دائم الفكر، جهوري الصوت، وكان يبيع الخز ويطلب العلم في صباه، أخذ العلم عن مائتي شيخ أشهرهم"حماد بن أبي سليمان"، وقد بدأ بدراسة علم أصول الدين ومناقشة أهل الإلحاد والضلال، ثم لازم حماد بن أبي سليمان ليدرس الفقه على يديه، يقول أبو حنيفة:"قدمت البصرة، وظننت أني لا أُسأل عن شيء إلا أجبت فيه، فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب، فجعلت على نفسي ألا أفارق حمادًا حتى يموت، فصحبته ثماني عشرة سنة"، رأى وسمع أربعة من الصحابة، وهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن وائلة بمكة، رضي الله عنهم جميعًا، وقد زعم بعض رجال الحديث أنه ضعيف الحفظ، ولكن عدَّلَه أئمة هذا العلم، كابن معين وأبي داود، وابن المديني، وشعبة، وردوا على الزاعمين مقولتهم ووَثَّقُوه، روى عن عطاء بن أبي رباح، وهو شيخه الأول وعن الشعبي وعمرو بن دينار، وروى عنه إبراهيم بن طهمان عالم خراسان، وإسحاق الأزرق وحمزة الزيات، ثم انقطع للتدريس والإفتاء، قال عنه ابن المبارك:"كان أبو حنيفة آية، وما رأيت مثله في الفقه". وقال الفضيل بن عياض:"كان أبو حنيفة فقيها معروفًا بالفقه مشهورًا بالورع، وسيع المال معروفًا بالإفضال، صبورًا على تعليم العلم بالليل والنهار، كثير الصمت قليل الكلام حتى ترد مسألة في حلال أو حرام". وقال الإمام مالك يصفه:"رأيت رجلًا لو كلمته في السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته". وعن الإمام الشافعي:"الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة". وقال يزيد بن هارون:"ما رأيت أحدًا أحلم من أبي حنيفة". سَبَّه رجل يومًا وهو في درسه وأكثر من الشتم، فلم يلتفت إليه أبو حنيفة ولم يقطع حديثه، ونهى أصحابه عن مخاطبته، فلما فرغ وقام تبعه الرجل إلى باب داره فقام على بابه وقال للرجل:"هذه داري، إن كان بقي معك شيء فأتمَّه حتى لا يبقى في نفسك شيء"، فاستحى الرجل وانصرف مخذولًا. وقد لخص منهجه الفقهي في قوله:"آخذ بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت منهم، وأدع من شئت منهم ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم". وهو منهج يعتمد الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ولا يأخذ بما قاله التابعون، إضافة إلى أنه كان يلجأ إلى الإجماع والقياس والاستحسان والعرف، وفق ما تدل على ذلك آراؤه الفقهية، بما فيها التي خالف فيها غيره من الفقهاء؛ علمًا أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بنى مذهبه. وأراده عمر بن هبيرة (أمير العراقين) على القضاء، فامتنع ورعًا، وحلف عليه الخليفة أبو جعفر المنصور أن يَلِيَ القضاء وحلف أبو حنيفة ألا يفعل، وقال:"إن أمير المؤمنين أقدر مني على كفارة أيمانه"، فأمر بحسبه حتى مات في السجن ببغداد، سنة 150 هـ. وعمره 70 سنة. انظر: مناقب أبي حنيفة، للموفق بن أحمد المكي (بيروت: دار الكتاب العربي، 1401 هـ) ج 1، ص 9 وما بعدها؛ سير أعلام النبلاء، للإمام محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، الطبعة التاسعة، تحقيق: شعيب الأناؤوط، محمد نعيم العرقسوسي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1413 هـ) ج 6، ص 390؛ الجواهر المضية، محيي الدين عبد القادر بن محمد بن أبي الوفاء القرشي، الطبعة الثانية، تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلو (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1413 هـ) ج 1، ص 49 - 63.