المبحث الثاني
الحالة الاجتماعية لعصر المؤلف
عاش العلامة الطرابلسي في أواخر القرن التاسع الهجري والذي يعتبر فترة انتقال بين العهدين في عهد القوة وعهد الضعف في دولة المماليك وعهد الحضارة والعلم والتقدم وعهد التقهقر والانحطاط والجمود في الحضارة الإسلامية.
ذلك أن أغلب الملوك الذين أتوا في هذه الفترة يغلب عليهم الجهل، وعدم المقدرة على تدبير شئون الشعب، والتجارة، والزراعة، وتسلط الجيش على الشعب، وسادت الأمية، فتدهورت أحوال البلاد في جميع المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية والعلمية والثقافية.
أضف إلى ذلك الاضطراب السياسي والعسكري المستمر الناتج عن ثورة الحكام ضد بعضهم بعضًا من أجل السلطة والقوة، وكانت السلطة لمن غلب، ولم يكن للشعب شأن في هذا المعترك، وإنما عليه أن يدفع ثمن هذه الحروب باهظًا، ويتمثل في المصادرة والنهب والضرائب الثقيلة، وويلات الحروب، ولذلك فلا عجب أن انحطت الحضارة واضمحلت الحياة الاقتصادية، مما مهد الطريق أمام العثمانيين للاستيلاء على بلاد الشام ومصر وإنهاء حكم المماليك سنة 923 هـ [1] .
وقد كانت الفروق في هذا العصر واضحة بين طبقاته، إذ كان مجتمعًا طبقيًا، وأكثر فئات المجتمع تميزًا عن غيرها فئة المماليك التي كانت تمثل طبقة عسكرية ممتازة تستأثر بالحكم وشئون الحرب.
وبسبب الاضطرابات السياسية بالغ كثير من السلاطين في شراء المماليك وإعدادهم واهتموا بتربيتهم اهتمامًا كبيرًا، وتمتعوا بحظ وافر من
(1) السلوك لمعرفة دول الملوك، لتقي الدين أحمد بن علي المقريزي، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا (بيروت: دار الكتب العلمية، 1418 هـ) ج 1، ص 361؛ الوثائق السياسية والإدارية للعصر المملوكي، لمحمد ماهر حمادة، الطبعة الثانية (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1403 هـ) ص 10 - 11؛ التاريخ الإسلامي 7/ 91.