غير أن الحركة العلمية ازدهرت في مصر والشام في عصر سلاطين المماليك ازدهارًا واسعًا، فغدت البلاد محورًا لنشاط علمي متعدد الأطراف، وكان عصرًا حافلًا بالعلم والعلماء، زاخرًا بالمدارس والمكتبات، والمنشآت الدينية، ويرجع سبب ذلك إلى عدة أسباب، أهمها سببان:
الأول: سقوط بغداد سنة (656 هـ) على يد التتار، وما تبع ذلك من اندراس قسم كبير من التراث الإسلامي، وإلقائه في نهر دجلة، واضطهاد العلماء وقتلهم، مما اضطرهم إلى الرحيل عنها إلى مصر والشام، فأكسبت هذين القطرين مركزًا علميًا جديدًا ومجتمعًا لعدد كبير من الفقهاء والمحدثين والمؤرخين واللغويين وغيرهم، وقد تنبه هؤلاء العلماء لخطر ما حدث في بغداد، فبدؤوا يؤلفون الكتب لتعويض ما اندرس على يد التتار، يدل عليه ذلك التراث الضخم الذي خلفوه في العلوم الدينية وموسوعات أدبية وكتب تاريخية وغيرها [1] .
الثاني: اهتمام الحكام بالعلم والعلماء، فقد أولت السلاطين اهتمامًا بالغًا بالعلم والعلماء، حتى إنه وجد من هؤلاء السلاطين والأمراء أنفسهم من اشتغل بالتاريخ والفقه والحديث واللغة العربية بل تصدى بعضهم للإقراء والتدريس، ولا أدل على رعاية سلاطين المماليك للنشاط العلمي من حرصهم وتنافسهم في إنشاء المدارس والمعاهد وتخصيص دخل لعلمائها وطلابها ثم تزويد هذه المدارس والمعاهد بمكتبات ضخمة تحوي أهم المراجع في مختلف الفنون [2] .
ومع هذا الازدهار العلمي فإن جلَّ من تحدث عنه في القرن السابع والثامن والتاسع قد وصفوه بعصر الانحطاط والجمود الفكري والتقليد.
(1) التاريخ الإسلامي 7/ 17 - 18؛ الوثائق السياسية والإدارية للعصر المملوكي 8.
(2) مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك 292 - 299؛ التاريخ الإسلامي 7/ 15 - 16؛ الوثائق السياسية للعصر المملوكي 9.