فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 477

وإننا لا نعجبُ والله من القنواتِ الفضائية، والإذاعةِ الغربية في التسويق للسياحية الخارجية، لأنهم نصبوا أنفسَهم لحرب الدين والقضاء على أهله، ولكنّ العجبَ كلَ العجبِ من صحفنا ومجلاتنا وأماكن الدعايات في شوارعنا، التي أصبحت مرتعا لما نُحَّذر منه، فحين نُقلبَّها لا نجدها ممتلئة بشروح مفصلة لما يتعرض له المسلمون في شرق الأرض وغربها من حروب فتاكة، ودماء مهدرة، وأراض منهوبة، وحقوق مضيعة، كلا، كلا، فهذه قضايا جانبية، وأحداث هامشية.

وقد بلغ بهم التضليلُ لأبناء هذا الوطن المعطاء أن تُفَرغ أعمدةٌ كاملةٌ للإعلانات، عن ماذا يا ترى؟!:

هل لحملة تبرعات للإخواننا المتضررين في مشارق الأرض ومغاربها؟!.

كلا، بل أقل من ذلك!.

هل هي إعلاناتٌ من أجل السياحيةِ الداخليةِ في هذا البلد الذي تتوفر فيه مقومات السياحة؟!.

أيضًا: كلا، إنها الإعلاناتُ السياحة، والتخفيضاتُ الخيالية عن أسعار التذاكر، والإقامة في بلدان تغلب عليها الرذيلةُ!.

إنها دعوة لأهل هذه البلاد رجالًا ونساءًا، صغارًا وكبارًا إلى السفر للخارج، وبذل الأموالِ الطائلةِ لإضاعةِ قيمِ الإنسان ومبادئهِ، وأخلاقهِ وعفافهِ، وطهرهِ ونقائه!.

ويا ترى ماذا يفعل بعضُ شبابِنا هناك، هناك في ديار العهر والفساد، هناك في بلاد الكفر والإلحاد:

في أرض أوروبا قتلت كرامتي…وأضعت في حاناتها ثرواتي

وعلى مسارحها نثرت دراهمي… وأجدت فيها أحسنَ الرقصات

باريس تعرفني ولندنُ لم تزل…ترنو إلى جيبي وحسنِ هباتي

وعيون مانيلا تراقب مقدمي…ولكم غرستُ بأرضها شهواتي

كم حانة ذوبت فيها همتي …وعقدتُ فيها خيرَ مؤتمراتي

وشربت فيها الكأس حتى خِلتني…أدمي فؤادَ الكأسِ بالرشفات

أيها الأخوة في الله:

إذا كنا نشكو من وفرةِ المالِ فإن هناك إخوانا لنا من المسلمين يتضورون جوعا وتهلكهم المصائبُ ولا يجدون من يغيثهم ؟!!

وإذا كنا نشكو من الفراغ فلنتذكر حديثَ نبينِا محمدٍ صلى الله عليه وسلّم حين قال:"لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ" (13) .

وإذا كنا عازمين على السفر للخارج، فلماذا لا يتم التنسيقُ مع المؤسسات الخيرية، والجمعيات الإسلاميةِ لتكون الرحلاتُ دعويةً، بدلًا من أن تكون سياحيةً، فتطعم المساكين، وتفرج كربةَ المكروبين، وتعلم الجاهلين، وتتحسّس أخبار المضطهدين، وتعلم ماذا يفعل النصارى الحاقدون بإخوانك المسلمين.

وإذا كنا نشكو من قلةِ الفرصِ المتاحةِ لنا ولأبنائنا، فإن سبلَ الخير متوفرةٌ وموجودةٌ، ولا عذرَ لأحد في تجاهلها من سياحة داخلية في بلادنا العامرة، وعمرةٍ لبيت الله الحرام، وزيارةٍ للأقارب والأرحام، ومراكزَ صيفيةٍ بناءة، وحَِلق تحفيظِ القرآن للرجال والنساء، وغيرِها من فرص الخير.

ولنعلم جميعًا أننا أمةٌ إن تعاونت على البر والتقوى، فلن يكون بها مكان لسماسرة الترفيهِ المشبوه ولا لألبسة التحرر الموبوءة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت