فيه القصاص ، وقد روي عنه أيضا أنه يثبت شبه العمد ، والذين أثبتوا شبه العمد اختلفوا فيما هو عمد وما هو شبه عمد على أقوال كثيرة ، أشهرها ثلاثة:
1 -قال أبو حنيفة: العمد ما كان بالحديد ، وكل ما عدا الحديد من القضيب أو النار وما يشبه ذلك فهو شبه العمد.
2 -قال أبو يوسف ومحمد: شبه العمد ما لا يقتل مثله.
3 -قال الشافعي: شبه العمد ما كان عمدا في الضرب خطأ في القتل ، أي ما كان ضربا لم يقصد به القتل ، فتولّد عنه القتل ، والخطأ بما كان خطأ فيهما جميعا ، والعمد ما كان عمدا فيهما جميعا.
وما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه اللّه من جعل كلّ قتل بغير الحديد شبه عمد ضعيف ، فإنّ من ضرب رأس إنسان بنحو حجر رحى فقتله ، وادعى أنه ليس عامدا كان مكابرا ، والمصلحة تقتضي بالقصاص في مثله ، لأنّ اللّه شرع القصاص صونا للأرواح عن الإهدار ، ولو كان القتل بالمثقّل لا قصاص فيه لارتكبه الناس ، فشفوا نفوسهم بقتل أعدائهم ، ونجوا من القصاص.
والفقهاء يعتمدون في إثبات العمد وشبهه والخطأ على الآلة التي بها القتل وأشياء أخرى ذكرت في الفروع ، وكان مقتضى النظر أن يبحث في ظروف القتل ، وما أحاط به من ملابسات ، وفي قرائن الأحوال لنعلم نية القاتل: أهو عامد أم مخطئ ، إلا أنهم رأوا أنّ نية القاتل لا اطلاع لنا عليها ، فاكتفوا بالنظر في الآلة التي كان بها القتل ، ونحن نوافق على أنّ نية القاتل لا اطلاع لنا عليها.
لكن ينبغي أن ننظر نظرا أوسع في جميع الملابسات المحيطة لنعلم نيته ، ولعلّه لو قيل بذلك لم يكن بعيدا من الشريعة.
وقد أوجب اللّه في القتل الخطأ أمرين: عتق رقبة مؤمنة ، ودية مسلمة إلى أهله ، فأما الرقبة المؤمنة فقد قال ابن عباس والحسن والشعبي فيها: لا تجزئ الرقبة إلا إذا صامت وصلّت. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: يجزئ الصبيّ إذا كان أحد أبويه مسلما.
حجة الأولين أن اللّه شرط الإيمان فلا بد من تحققه ، والصبيّ لم يتحقق منه.
وحجة الآخرين: أنّ اللّه قال وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً فيدخل فيه الصبيّ ، فكذلك يدخل في قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ والرقبة قد ذكروا أنها على القاتل ، فأما الدية فهي على العاقلة ، وقد وردت أحاديث كثيرة تدلّ على أنّ الدية على العاقلة «1» ، والعاقلة قال الحجازيون: هم قرابته من جهة أبيه ، وهم عصبته.
(1) رواه ابن ماجه في السنن (2/ 879) ، كتاب الديات ، باب الدية على العاقلة حديث رقم (2633) .