ومنهم من قال: إن المقصود منها هو تنبيه السامعين وإيقاظهم. وذلك أن قرع السمع فِي أول الكلام بما يعيي النفوس فهمه أو بالأمر الغريب دافع لها أن تصغي وتتيقظ وتتأمل وتزداد إقبالا: فهي كوسائل التشويق التي تعرض فِي مقدمة الدرس على منهج التربية الحديثة فِي التعليم.
ومنهم من قال: إن المقصود منها سياسة النفوس المعرضة عن القرآن واستدراجها إلى الاستماع إليه. والمعروف أن أعداء الإسلام فِي صدر الدعوة كان يقول بعضهم لبعض: {لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}
.فلما أنزلت السور المبدوءة بحروف الهجاء وقرع أسماعهم ما لم يألفوا التفتوا وإذا هم أمام آيات بينات استهوت قلوبهم واستمالت عقولهم فآمن من أراد الله هدايته وشارف الإيمان من شاء الله تأخيره وقامت الحجة فِي وجه الطغاة المكابرين وأخذت عليهم الطرق فلا عذر لهم فِي الدنيا ولا يوم الدين.
وقال العلامة المرحوم الشيخ طنطاوي جوهري فِي تفسيره لسورة آل عمران ما نصه:
اعلم أن القرآن كتاب سماوي. والكتب السماوية تصرح تارة وترمز تارة أخرى. والرمز والإشارة من المقاصد السامية والمعاني والمغازي الشريفة. وقديما كان ذلك فِي أهل الديانات ألم تر إلى اليهود الذين كانوا منتشرين فِي المدينة وفي بلاد الشرق أيام النبوة كيف كانوا يصطلحون فيما بينهم على أعداد الجمل المعروفة اليوم فِي الحروف العربية فيجعلون الألف بواحد والباء باثنين والجيم بثلاثة والدال بأربعة وهكذا مارين على الحروف الأبجدية إلى الياء بعشرة والكاف بعشرين وهكذا إلى القاف بمائة والراء بمائتين وهكذا إلى الغين بألف كما ستراه فِي هذا المقام.