وهكذا ترى فِي سورة البقرة وهي أول ما نزل بالمدينة المنورة لونا آخر من العرض القرآني لأهم قضايا العقيدة ، والهدف واحد فِي العهدين وإن تلونت الأساليب"ذلك الكتاب لا ريب فيه"إن كانت هناك كتب اكتنفها الريب وساءت فيها الظنون...! ونجح أصحاب محمد فِي الاستجابة لما نزل إليهم فِي هذه السورة وفيما تبعها ، كان القرآن ينزل وهم يعملون ، ويأمر وهم يطيعون. ويخطط للفرد والمجتمع والدولة وهم ينفذون. فأمست المدينة برجالها الجدد ونظامها الجديد عاصمة فذة لأخطر الرسالات. وقاعدة لحركات الأمة الوسط التي هي خير أمة أخرجت للناس. الله يعلِّم رسوله بالوحي ، والمسلمون يتعلمون من رسولهم ما ينفعهم وينفع الناس"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا". وقد بين الله سبحانه وتعالى فِي الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة أن النبي ومن معه صدقوا الله فصدقهم الله ، وأن ما نزل إليهم من أحكام فِي هذه السورة - وما تلاها - قد صدعوا به وأحسنوا القيام عليه وبذلوا جهدهم فِي أدائه على خير وجه. وكانوا أشرف منزلة من أقوام سبقوهم جاءهم الوحي فقالوا سمعنا وعصينا.. لقد كان العرب أميين ولم يكن لهم فِي موازين الحضارة العالمية ثقل معروف ، حتى نزل بينهم القرآن ، فأخذ يزكى سيرتهم ، ويرفع مستواهم ، وما زالوا يصعدون فِي مدارج الترقى حتى سبقوا غيرهم من الأمم ، وصاروا فِي صلاح المجتمع وزكاة النفوس وإقامة العدالة أقدر من غيرهم وأشرف.. والحضارة التي أقاموها لا تقوم على نعرة جنسية ، أو نزعة مادية ، أو غايات أرضية ، بل على