فأما التأويل فإنّ أهل الكتاب قد علموا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حق وأن صفته ونبوته فِي كتابهم، وهم يحققون العلم بذلك فلا تغني الآيات عند من يجد ما يعرف.
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) .
لأن أهل الكتاب تظاهروا على النبي - صلى الله عليه وسلم - واليهودُ لا تتبع قبلة النصارى، ولا النَصارى تتبع قبلة اليهود، وهم مع ذلك فِي التظاهر على النبي متفقون.
وقوله عزَّ وجلَّ: (إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) ) .
أي أنك لمنهم أن اتبعتَ أهواءَهم. وهذا الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولسائر أُمَّتِه، لأن ما خوطب به (مِنْ هذَا الجنس) فقد خوطب به الأمة والدليل على ذلك قوله عزَّ وجلَّ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)
أول الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وليس معه لفظ الأمة، وآخره دليل أن الخطاب عام.
وقوله عزَّ وجلَّ: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(146)
يعني به علماءُ اليهود. و (الذين) رفع بالابتداءِ، وخبر (الذين) - (يَعْرفونَه) ، وفي (يَعْرفونَه) قولان: قال بعضهم: يعرفون أن أمر القبلة وتحول النبي - صلى الله عليه وسلم - من قِبلِ بيتِ المقدس إِلى البيت الحرام حق.
كما يعرفون أبناءَهم.
وقيل معنى (يَعْرفونَه) يعرفون النبي - صلى الله عليه وسلم - وصِحة أمره.
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
أي يعلمون (أنَّهُ الحقُّ) ، أي يكتمون صِفَتَهُ، ومن لا يعلم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وما جاءَ به
(وهم يعلمون) أنَّهُ الحقُّ.
وقوله عزَّ وجلَّ: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(147)